فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 34

الخامسُ: أنْ لا يُقصَدَ تشريكُ الجملتينِ في الحكْمِ لقيامِ مانعٍ، كقولِه تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، فجملةُ (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) لا يِصِحُّ عطْفُها على (إِنَّا مَعَكُمْ) ؛ لاقتضائِه أنَّهُ منْ مَقُولِهم؛ ولا على جملةِ: (قَالُوا) ؛ لاقتضائِه أنَّ اسْتِهْزاءَ اللَّهِ بهم مقيَّدٌ بحالِ خُلُوِّهِم إلى شياطينِهم. ويُقالُ: بينَ الجملتينِ في هذا الموضِعِ تَوسُّطٌ بينَ الكمالَيْنِ.

البابُ الثامِنُ

في الإِيْجَازِ والإِطْنَابِ والمساواةِ

كلُّ ما يَجولُ في الصدْرِ من المعاني يُمكِنُ أنْ يُعبَّرَ عنهُ بثلاثِ طُرُقٍ:

1 -المساواةُ: وهيَ تَأديةُ المعنى المرادِ بعبارةٍ مساوِيةٍ له، بأنْ تكونَ على الحدِّ الذي جَرَى بهِ عُرْفُ أوساطِ الناسِ، وهم الذينَ لم يَرْتَقُوا إلى درجةِ البلاغةِ، ولم يَنْحَطُّوا إلى درجةِ الفَهاهةِ، نحوَ: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} .

2 -والإيجازُ: وهوَ تَأديةُ المعنى بعبارةٍ ناقصةٍ عنه معَ وفائِها بالغرَضِ، نحوَ: قِفَا نَبْكِ منْ ذِكرى حبيبٍ ومَنزلِ. فإذا لم تَفِ بالغَرَضِ سُمِّيَ إخلالًا، كقولِه:

والعيشُ خيرٌ في ظِلا ... لِ النُّوكِ ممَّنْ عاشَ كدَّا

مرادُه أنَّ العيشَ الرَّغَدَ في ظِلالِ الحُمقِ خيرٌ من العَيْشِ الشاقِّ في ظلالِ العقْلِ.

3 -والإطنابُ: وهوَ تَأديةُ المعنى بعبارةٍ زائدةٍ عنه معَ الفائدةِ، نحوَ: {رَبِّ إِنَّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} ، أيْ: كَبِرْتُ.

فإذا لم تكنْ في الزيادةِ فائدةٌ سُمِّيَ تطويلًا إنْ كانت الزيادةُ غيرَ مُتعيَّنةٍ، وحشْوًا إنْ تَعيَّنتْ. فالتطويلُ نحوَ:

وأَلْفَى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا

والحشْوُ نحوَ: وأَعْلَمُ عِلْمَ اليومِ والأمسِ قبلَه.

ومن دواعي الإيجازِ تسهيلُ الحفْظِ، وتقريبُ الفهْمِ، وضِيقُ الْمَقامِ، والإخفاءُ، وسآمةُ المحادَثَةِ.

ومن دواعي الإطنابِ تثبيتُ المعنى، وتوضيحُ المرادِ، والتوكيدُ، ودفْعُ الإيهامِ.

أقسامُ الإيجازِ

الإيجازُ إمَّا أنْ يكونَ بتَضَمُّنِ العبارةِ القصيرةِ معانيَ كثيرةً، وهوَ مَرْكَزُ عنايةِ البُلغاءِ، وبهِ تَتفاوتُ أقدارُهم. ويُسَمَّى إيجازَ قِصَرٍ، نحوَ قولِه تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} .

وإمَّا أنْ يكونَ بحذْفِ كلمةٍ أوْ جملةٍ أوْ أكثرَ، معَ قرينةٍ تُعَيِّنُ المحذوفَ، ويُسَمَّى: إيجازَ حذْفٍ.

فحذْفُ الكلمةِ كحذْفِ (لا) في قولِ امرئِ القَيْسِ:

فقلتُ: يَمينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعدًا ... ولوْ قَطَّعوا رأسي لَدَيْكِ وأَوْصَالِي

وحذْفُ الجملةِ كقولِه تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ، أيْ: فتأسَّ واصْبِرْ.

وحذْفُ الأكثَرِ، نحوَ قولِه تعالى: {فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} ، أيْ: أَرْسِلُوني إلى يُوسفَ لأستعْبِرَهُ الرؤْيَا، ففَعَلوا، فأتاهُ وقالَ لهُ: يا يوسفُ.

أقسامُ الإطنابِ

الإطنابُ يكونُ بأمورٍ كثيرةٍ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت