الصفحة 88 من 94

بابُ طريقِ الْحُكْمِ وصِفَتِه

إذا حَضَرَ إليه خَصمانِ قالَ: أَيُّكُما الْمُدَّعِي؟ فإن سَكَتَ حتى يَبدأَ جازَ، فمَن سَبَقَ بالدَّعوى قَدَّمَه، فإن أَقَرَّ له حَكَمَ له عليه، وإن أَنْكَرَ قالَ للمُدَّعِي: إن كان لك بَيِّنَةٌ فأَحْضِرْها إن شِئْتَ. فإن أَحْضَرَها سَمِعَها وحَكَمَ بها، ولا يَحْكُمُ بعلْمِه، وإن قالَ الْمُدَّعِي: ما لي بَيِّنَةٌ. أَعْلَمَه الحاكمُ أنَّ له اليمينَ على خَصْمِه على صِفةِ جوابِه، فإن سألَ إحلافَه أَحْلَفَه، وخَلَّى سبيلَه، ولا يُعْتَدُّ بيمينِه قبلَ مسألةِ الْمُدَّعِي، وإن نَكَلَ قَضَى عليه، فيقولُ: إن حَلَفْتَ وإلا قَضَيْتُ عليك. فإن لم يَحْلِفْ قَضَى عليه، وإن حَلَفَ المنكِرُ ثم أَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً حَكَمَ بها، ولم تَكُنِ اليمينُ مُزيلةً للحَقِّ.

(فصلٌ) ولا تَصِحُّ الدعوَى إلا مُحَرَّرَةً مَعلومةَ الْمُدَّعَى به، إلا ما تُصَحِّحُه مجهولًا كالوَصِيَّةِ وعبدٍ من عبيدِه مَهْرًا ونحوَه، وإن ادَّعَى عَقْدَ نِكاحٍ أو بيعٍ أو غيرِهما فلا بدَّ من ذِكْرِ شُروطِه، وإن ادَّعَت امرأةٌ نِكاحَ رَجُلٍ لطَلَبِ نَفَقَةٍ أو مَهْرٍ أو نحوِهما سُمِعَتْ دَعواها، فإن لم تَدَّعِ سِوَى النِّكاحِ لم تُقْبَلْ، وإن ادَّعَى الإرثَ ذَكَرَ سَبَبَه.

وتُعْتَبَرُ عدالةُ الْبَيِّنَةِ ظاهرًا وباطنًا، ومَن جُهِلَتْ عَدالتُه سُئِلَ عنه، وإن عَلِمَ عدالتَه عَمِلَ بها، وإن جَرَحَ الْخَصمُ الشهودَ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ به وأُنْظِرَ له ثلاثٌ إن طَلَبَه، وللمُدَّعِي مُلازمَتُه , فإن لم يَأْتِ ببيِّنَةٍ حَكَمَ عليه، وإن جُهِلَ حالُ الْبَيِّنَةِ طُلِبَ من الْمُدَّعِي تَزكيتُهم، ويَكْفِي فيها عَدْلان يَشهدانِ بعَدالتِه , ولا يُقْبَلُ في الترجمةِ والتزكيةِ والْجَرحِ والتعريفِ والرسالةِ إلا قولُ عَدْلَيْنِ، ويُحْكَمُ على الغائبِ إذا ثَبَتَ عليه الحقُّ وإن ادَّعَى على حاضرٍ بالبلدِ غائبٍ عن مَجْلِسِ الحكمِ وأتى ببَيِّنَةٍ لم تُسْمَع الدَّعْوَى ولا البَيِّنَةُ.

بابُ كِتابِ القاضِي إلى القاضِي

يُقْبَلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في كلِّ حقٍّ حتى القذفِ، لا في حدودِ اللهِ كحدِّ الزنا ونحوِه، ويُقْبَلُ فيما حَكَمَ به ليُنْفِذَه وإن كان في بلدٍ واحدٍ، ولا يُقْبَلُ فيما ثَبَتَ عندَه ليَحْكُمَ به إلا أن يكونَ بينَهما مسافةُ قَصْرٍ، ويَجوزُ أن يَكْتُبَ إلى قاضٍ مُعَيَّنٍ وإلى كلِّ مَن يَصِلُ إليه كتابُه من قُضاةِ المسلمينَ , ولا يُقْبَلُ إلا أن يُشْهِدَ به القاضي الكاتبُ شاهدينِ , فيَقرأُ عليهما ثم يَقولُ: اشْهَدَا أنَّ هذا كتابِي إلى فُلانٍ ابنِ فلانٍ. ثم يَدْفَعُه إليهما.

بابُ القِسْمَةِ

لا تَجوزُ قِسمةُ الأملاكِ ـ التي لا تَنقسِمُ إلا بضَرَرٍ أو رَدِّ عِوَضٍ ـ إلا برضاءِ الشُّركاءِ، كالدُّورِ الصغارِ والحمَّامِ والطاحونِ الصغيرينِ والأرضِ التي لا تَتَعَدَّلُ بأجزاءٍ ولا قِيمةٍ كبِناءٍ أو بِئْرٍ في بعضِها، فهذه القِسمةُ في حُكْمِ البيعِ، ولا يُجْبَرُ مَن امْتَنَعَ من قِسْمَتِها، وأمَّا ما لا ضَرَرَ ولا رَدَّ عِوَضٍ في قِسمتِه كالقَرْيَةِ والبُستانِ والدارِ الكبيرةِ والأرضِ والدكاكينِ الواسعةِ والْمَكيلِ والموزونِ من جِنْسٍ واحدٍ كالأدهانِ والألبانِ، ونحوِها , إذا طَلَبَ الشريكُ قِسمتَها أُجْبِرَ الآخَرُ عليها، وهذه القِسمةُ إفرازٌ لا بَيْعٌ، ويَجوزُ للشُّركاءِ أن يَتقاسَمُوا بأنفسِهم، وبقَاسِمٍ يَنْصِبُونه، أو يَسألونَ الحاكِمَ نصْبَه، وأُجْرَتُه على قَدْرِ الأملاكِ، فإذا اقْتَسَموا أو اقْتَرَعوا لزِمَت القِسمةُ، وكيف اقْتَرَعوا جازَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت