الصفحة 111 من 391

عَلِيٍّ، قَالَ: (( نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّمْتِ فِي العُكُوفِ ) )، وفِي (سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيلِ ) ). وقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِامْرَأَةٍ حَجَّتْ مُصْمَتَةً: إِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِن عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ زَيْنِ العَابِدِينَ أَنَّه قَالَ: صَوْمُ الصَّمْتِ حَرَامٌ.

الثَّانِي: مِمَّا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هَذَا الحَدِيثِ المُؤْمِنِينَ: إِكْرَامُ الجَارِ، وفي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (( النَّهْيُ عَنْ أَذَى الْجَارِ ) )فَأَمَّا أَذَى الجَارِ، فمُحَرَّمٌ؛ فَإِنَّ الْأَذَى بغَيْرِ حَقٍّ مُحَرَّمٌ لكُلِّ أَحَدٍ، ولَكِنْ فِي حَقِّ الجَارِ هو أَشَدُّ تَحْرِيمًا، وفي (الصَّحِيحَيْنِ) عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه سُئِلَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: (( أَنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) )، قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (( أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ ) )، قِيلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: (( أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ) )، وفِي (مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ) عن المِقْدَادِ بنِ الْأسْودِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ ) )قَالُوا: حَرَامٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ ) )، قَالَ: (( فَمَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ ) )قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ: (( لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْياتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ ) ).

وفي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ) عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ ) )قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (( مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ) )، وخَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وغَيْرُه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

وفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهَ بَوَائِقَهُ ) ).

وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، والحَاكِمُ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فُلَانَةَ تُصَلِّيَ اللَّيْلَ، وَتَصُومُ النَّهَارَ وَفِي لِسَانِهَا شَيْءٌ تُؤْذِي جِيرَانَهَا سَلِيطَةً، قَالَ: (( لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ فِي النَّارِ ) )، وقِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَانَةَ تُصَلِّي المَكْتُوبَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَتَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ، وَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا، قَالَ: (( هِيَ فِي الْجَنَّةِ ) )ولَفْظُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: (( ولَا تُؤْذِي بِلِسَانِهَا جِيرَانَهَا ) ).

وخَرَّجَ الحَاكِمُ مِن حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ لَهُ: (( اطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ ) )، قَالَ: فَجَعَل النَّاسُ يَمُرُّونَ بِهِ فَيَلْعَنُونَهُ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَقِيتُ مِن النَّاسِ؟ قَالَ: وَمَا لَقِيتَ مِنْهُم؟ قَالَ: يَلْعَنُونَنِي. قَالَ: (( فَقَدْ لَعَنَكَ اللَّهُ قَبْلَ النَّاسِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي لَا أَعُودُ ) ). وخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِمَعْنَاهُ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: (( فَقَدْ لَعَنَكَ اللَّهُ قَبْلَ النَّاسِ ) ).

وخَرَّجَ الخَرَائِطِيُّ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: دَخَلَتْ شَاةٌ لِجَارٍ لَنَا، فَأَخَذَتْ قُرْصَةً لَنَا، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَاجْتَذَبْتُهَا مِنْ بَيْنِ لَحْيَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّه لَا قَلِيلَ مِنْ أَذَى الْجَارِ ) ).

وأَمَّا إِكْرَامُ الْجَارِ والْإِحْسَانُ إِلَيْهِ، فمَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي القُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ والصَّاحِبِ بالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النسَاء:36] ، فجَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ ذِكْرِ حَقِّهِ عَلَى العَبْدِ وحُقُوقِ العِبَادِ عَلَى العَبْدِ أيضًا، وجَعَلَ العِبَادَ الذِينَ أَمَرَ بالْإِحْسَانِ إِلَيْهِم خَمْسَةَ أَنْوَاعٍ:

أَحَدُهَا: مَن بَيْنَه وبَيْنَ الْإِنْسَانِ قَرَابَةٌ، وخَصَّ مِنْهُمُ الوَالِدَيْنِ بالذِّكْرِ؛ لِامْتِيَازِهِمَا عَنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ بِمَا لَا يُشْرِكُونَهُمَا فِيهِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا السَّبَبَ فِي وُجُودِ الوَلَدِ, وَلَهُمَا حَقُّ التَّرْبِيَةِ والتَّأْدِيبِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت