فهرس الكتاب
وهذا الحَدِيثُ الذي احْتَجَّ به أَحْمَدُ قَدْ تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ، وخَرَّجَه البُخَارِيُّ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُحْسِنْ قِرَى ضَيْفِهِ ) ). قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ومَا قِرَى الضَّيْفِ؟ قَالَ: (( ثَلَاثٌ، فَمَا كَانَ بَعْدُ، فَهُوَ صَدَقَةٌ ) ).
قَالَ حُمَيْدُ بنُ زَنْجُويَه: عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّفَ لَهُ فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مِنَ الطَّعَامِ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُه هو وعِيَالُه، وفي تَمَامِ الثَّلَاثِ يُطْعِمُه مِن طَعَامِهِ، وفِي هَذَا نَظَرٌ. وسَنَذْكُرُ حَدِيثَ سَلْمَانَ بالنَّهْيِ عَنِ التَّكلُّفِ للضَّيْفِ، ونَقَلَ أَشْهَبُ عن مَالِكٍ، قَالَ: جَائِزَتُه يَوْمٌ ولَيْلَةٌ يُكْرِمُه ويُتْحِفُه ويَخُصُّه يَوْمًا ولَيْلَةً وثَلَاثَةَ أيَّامٍ ضِيَافَةً، وكَانَ ابنُ عُمَرَ يَمْتَنِعُ مِن الْأَكْلِ مِنْ مَالِ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ويَأْمُرُ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهِ مِن مَالِهِ. ولصَاحِبِ المَنْزِلِ أَنْ يَأُمُرَ الضَّيْفَ بالتَّحَوُّلِ عنه بَعْدَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّه قَضَى مَا عَلَيْهِ، وفَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وقَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ ) )يَعْنِي: يُقِيمُ عِنْدَه حَتَّى يُضَيِّقَ عَلَيْهِ، لَكِنْ هَلْ هَذَا فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ أم فيما زَادَ عَلَيْهَا؟ فَأَمَّا فِيمَا لَيْسَ بوَاجِبٍ، فَلَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ، وأَمَّا في مَا هو واجِبٌ وهو اليَوْمُ واللَّيْلَةُ فيَنْبَنِي عَلَى أَنَّه هَلْ تَجِبُ الضِّيَافَةُ عَلَى مَن لَا يَجِدُ شَيْئًا أم لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَن وَجَدَ مَا يَضِيفُ بِهِ؟ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَن يَجِدُ ما يَضِيفُ بِهِ -وهو قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن أَهْلِ الحَدِيثِ، مِنهُم حُمَيدُ بنُ زَنْجُويَه- لَمْ يَحِلَّ للضَّيْفِ أَنْ يَسْتَضِيفَ مَن هُوَ عَاجِزٌ عَن ضِيَافَتِهِ. وقَدْ رُوِيَ مِن حَدِيثِ سَلْمَانَ، قَالَ: (( نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَكَلَّفَ لِلضَّيْفِ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا ) )فَإِذَا نُهِيَ المَضِيفُ أَنْ يَتَكَلَّفَ للضَّيْفِ مَا لَيْسَ عِنْدَه دَلَّ عَلَى أَنَّه لَا تَجِبُ عَلَيْهِ المُوَاسَاةُ للضَّيْفِ إلَّا مِمَّا عِنْدَه، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَه فَضْلٌ لَمْ يَلْزَمْه شَيْءٌ، وَأَمَّا إِذَا آثَرَ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا فَعَلَ الْأَنْصَارِيُّ الذِي نَزَلَ فيه: {ويُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9] فذَلِكَ مَقَامُ فَضْلٍ وإِحْسَانٍ، ولَيْسَ بوَاجِبٍ.
ولو عَلِمَ الضَّيْفُ أَنَّهُم لَا يَضِيفُونَه إِلَّا بقُوتِهِم وقُوتِ صِبْيَانِهِم، وَأَنَّ الصِّبْيَةَ يَتَأَذَّوْنَ بذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ اسْتِضَافَتُهم حِينَئذٍ عَمَلًا بقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ ) ).
وأيضًا فالضِّيَافَةُ نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ، فَلَا تَجِبُ إِلَّا عَلَى مَنْ عندَه فَضْلٌ عَن قُوتِهِ وقُوتِ عِيَالِهِ، كنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، وزَكَاةِ الفِطْرِ. وَقَدْ أَنْكَرَ الخَطَّابِيُّ تَفْسِيرَ تَأْثِيمِهِ بأَنْ يُقِيمَ عِنْدَه وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ، وَقَالَ: أُرَاهُ غَلَطًا، وكَيْفَ يَأْثَمُ في ذَلِكَ وهو لَا يَتَّسِعُ لِقرَاهُ، وَلَا يَجِدُ سَبِيلًا إِلَيْهِ؟ وإِنَّما الكُلْفَةُ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ، قَالَ: وإِنَّمَا وَجْهُ الحَدِيثِ أَنَّه كَرِهَ له المُقَامَ عِنْدَه بَعْدَ ثَلَاثٍ؛ لِئَلَّا يَضِيقَ صَدْرُه بِمَكَانِهِ، فتَكُونَ الصَّدَقَةُ منه عَلَى وَجْهِ المَنِّ والْأَذَى فَيَبْطُلَ أجْرُه، وهَذَا الذِي قَالَهُ فيه نَظَرٌ، فَإِنَّه قَدْ صَحَّ تَفْسِيرُه في الحَدِيثِ بِمَا أَنْكَرَهُ، وَإِنَّمَا وجْهُهُ أَنَّه إِذَا أَقَامَ عِنْدَه وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ، فَرُبَّمَا دَعَاهُ ضِيقُ صَدْرِهِ بِهِ، وحَرَجُه إِلَى مَا يَأْثَمُ به فِي قَوْلٍ، أو فِعْلٍ، ولَيْسَ المُرَادُ أَنَّهُ يَأْثَمُ بتَرْكِ قِرَاهُ مَعَ عَجْزِه عَنْهُ، واللَّهُ أَعْلَمُ.
الحَدِيثُ السَّادِسَ عَشَرَ