الصفحة 118 من 391

فقالَََ: يا رسولَ اللَّهِ, أيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قالََ: (( حُسْنُ الخُلُقِ ) ). ثم أتَاه عن يَمِينِهِ، فَقالََ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (( حُسْنُ الخُلُقِ ) ). ثُمَّ أَتَاه عن شِمَالِهِ، فقالَََ: يا رسولَ اللَّهِ، أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (( حُسْنُ الخُلُقِ ) ). ثم أَتَاه مِن بعدِه، يَعْنِي: مِن خلفِه، فقالََ: يا رسولَ اللَّهِ, أيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( مَالَكَ لَا تَفْقَهُ! حُسْنُ الخُلُقِ هُوَ أَنْ لَا تَغْضَبَ إِن اسْتَطَعْتَ ) ). وهذا مُرْسَلٌ.

فقولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَن اسْتَوْصَاه: (( لَا تَغْضَبْ ) )يَحْتَمِلُ أمرين:

أحدُهما: أن يكونَ مُرادُه الأمرَ بالأسبابِ التي تُوجِبُ حُسْنَ الخُلُقِ مِن الكَرَمِ والسخَاءِ، والحِلْمِ والحياءِ، والتواضُعِ والاحْتِمَالِ، وكفِّ الأذَى، والصَّفْحِ والعفْوِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، والطَّلاقَةِ والبِشْرِ، ونحوِ ذلك مِن الأخلاقِ الجميلةِ؛ فإن النفسَ إذا تَخَلَّقَت بهذه الأخلاقِ، وصَارَت لها عادَةً، أَوْجَبَ لَها ذلك دَفْعَ الغضَبِ عندَ حُصُولِ أسبابِهِ.

والثاني: أن يكونَ المرادُ: لا تَعْمَلْ بِمُقْتَضَى الغَضَبِ إذا حَصَلَ لك، بل جاهِدْ نَفْسَك على ترْكِ تنفيذِه والعَمَلِ بما يَأْمُرُ به؛ فإن الغَضَبَ إذا مَلَكَ ابنَ آدَمَ كانَ كالآمِرِ الناهِي له، ولهذا المعنَى قالََ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ} [الأعراف:154] فإِذا لم يَمْتَثِل الإنسانُ ما يَأْمُرُه به غضبُه، وجاهَدَ نفسَه على ذلك، انْدَفَعَ عنه شرُّ الغضَبِ، وربما سَكَنَ غضَبُهُ، وذهَبَ عاجِلًا، فكأنه حينَئذٍ لم يَغْضَبْ، وإلى هذا المعنى وَقَعَت الإشارةُ في القرآنِ بقولِه عزَّ وجلَّ: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشُّورى:37] ، وبقولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . [آل عِمْرَان:134] .

وكانَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ مَن غَضِبَ بتَعَاطِي أسبابٍ تَدْفَعُ عنه الغَضَبَ وتُسَكِّنُهُ، ويَمْدَحُ مَن مَلَكَ نفسَه عندَ غَضَبِهِ، ففي (( الصَّحِيحَيْنِ ) )عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ صُرَدَ قَالََ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونَحْنُ عِنْدَه جُلُوسٌ، وأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالََ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا، لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ). فَقَالَُوا للرَّجُلِ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالََ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.

وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالََ في خُطْبَتِهِ: (( أَلَا إِنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ في قَلْبِ ابنِ آدَمَ، أَفَمَا رَأَيْتُمْ إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ، وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ، فَمَنْ أحَسَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَلْزَقْ بالْأَرْضِ ) ).

وخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وأَبُو دَاوُدَ مِن حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالََ: (( إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ، فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ ) )

وقَدْ قِيلَ: إِنَّ المَعْنَى فِي هَذَا أَنَّ القَائِمَ مُتَهِيِّئٌ للْانْتِقَامِ، والجَالِسَ دُونَه فِي ذَلِكَ، والمُضْطَجِعَ أَبْعَدُ عَنْهُ، فأَمَرَهُ بالتَّبَاعُدِ عَنْ حَالَةِ الانْتِقَامِ، ويَشْهَدُ لذَلِكَ أَنَّه رُوِيَ مِن حَدِيثِ سِنَانِ بنِ سَعْدٍ، عن أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومِن حَدِيثِ الحَسَنِ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالََ: (( الغَضَبُ جَمْرَةٌ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ تَوَقَّدُ، أَلَا تَرَى إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ، فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَجْلِسْ، وَلَا يَعْدُوَنَّهُ الغَضَبُ ) ).

والمُرَادُ: أَنَّهُ يَحْبِسُهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يُعْدِيهِ إِلَى غَيْرِه بالْأَذَى بالفِعْلِ، ولِهَذَا المَعْنَى قَالََ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الفِتَنِ: (( إِنَّ الْمُضْطَجِعَ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَاعِدِ، والقَاعِدَ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ، وَالقاِئمَ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، والْمَاشِيَ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي ) ). وَإِنْ كَانَ هذا عَلَى وَجْهِ ضَرْبِ المِثَالِ فِي الْإِسْرَاعِ فِي الفِتَنِ، إِلَّا أَنَّ المَعْنَى: أَنَّ مَن كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْإِسْرَاعِ فِيهَا، فهو شَرٌّ مِمَّن كَانَ أَبْعَدَ عَن ذَلِكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت