فهرس الكتاب
الحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ
عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالََ: (( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ) ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1) .
(1) هَذَا الحَدِيثُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ دونَ البُخَارِيِّ مِن رِوَايَةِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ، وتَرَكَهُ البُخَارِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ فِي صَحِيحِهِ لِأَبِي الْأَشْعَثِ شَيْئًا، وهو شَامِيٌّ ثِقَةٌ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُحْسِنٌ فَأَحْسِنُوا، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيُكْرِمْ مَقْتُولَهُ، وَإِذَا ذَبَحَ فَلْيَحُدَّ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ) ). خرَّجَه ابنُ عَدِيٍّ.
وخرَّجَ الطَّبَرَانِيُّ مِن حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا، وَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ مُحْسِنٌ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ) ).
فَقَوْلُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ) ). وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي إِسْحَاقَ الفَزَارِيِّ في كِتَابِ (( السِّيَرِ ) )عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ) ). أو قَالَ: (( عَلَى كُلِّ خَلْقٍ ) ). هَكَذَا خَرَّجَهَا مُرْسَلَةً، وبالشَّكِّ فِي: (( كُلِّ شَيْءٍ ) )، أو: (( كُلِّ خَلْقٍ ) )، وظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كُتِبَ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ الْإِحْسَانُ، فيَكُونُ كُلُّ شَيْءٍ أو كُلُّ مَخْلُوقٍ هو الْمَكْتُوبَ عَلَيْهِ، والمَكْتُوبُ هو الْإِحْسَانَ.
وقِيلَ: إِنَّ المَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، أو فِي كُلِّ شَيْءٍ، أو كَتَبَ الْإِحْسَانَ في الوِلَايَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فيَكُونُ المَكْتُوبُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَذْكُورٍ، وإِنَّمَا المَذْكُورُ المُحْسَنُ إِلَيْهِ.
ولَفْظُ (( الكِتَابَةِ ) )يَقْتَضِي الوُجُوبَ عندَ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ والْأُصُولِيِّينَ خِلَافًا لبَعْضِهِم، وَإِنَّمَا اسْتِعْمَالُ لَفْظَةِ الكِتَابَةِ فِي القُرْآنِ فِيمَا هو وَاجِبٌ حَتْمٌ؛ إمَّا شَرْعًا، كقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] ، وقولِهِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:182] ، {كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة:216] ، أو فيما هو وَاقِعٌ قَدَرًا لَا مَحَالَةَ، كقَوْلِهِ: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة:21] ، وقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105] ، وقولِهِ: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة:22] . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ: (( إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيكُمْ ) ). وَقَالَ: (( أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ ) ). وَقَالَ: (( كُتِبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، فهو مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ) ).
وحِينَئذٍ فهَذَا الحَدِيثُ نَصٌّ في وُجُوبِ الْإِحْسَانِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [النحل:90] ، وقَالَ: {وأحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195] .
وهَذَا الْأَمْرُ بالْإِحْسَانِ تَارَةً يَكُونُ للوُجُوبِ؛ كالْإِحْسَانِ إِلَى الوَالِدَيْنِ والْأَرْحَامِ بِمِقْدَارِ مَا يَحْصُلُ بِهِ البِرُّ والصِّلَةُ , والْإِحْسَانِ إِلَى الضَّيْفِ بقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ قِرَاهُ، عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُه. وتَارَةً يَكُونُ للنَّدْبِ؛ كصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ ونَحْوِهَا.