الصفحة 53 من 391

وقال أبو عُبَيْدٍ: الوقوعُ هوَ الذي عليهِ العلماءُ مُجْمِعُونَ فِي جميعِ الأمصارِ؛ حِجَازِهِم وتِهَامِهِم، ويَمَنِهِم وشَامِهِم، وعِرَاقِهِم ومِصْرِهِم. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ ذلكَ عنْ كُلِّ مَنْ يُحْفَظُ قولُهُ مِنْ أهلِ العِلْمِ إلَّا نَاسًا مِنْ أهلِ البِدَعِ لا يُعْتَدُّ بِهِم.

وأمَّا ما حَكَاهُ ابنُ حَزْمٍ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّهُ لا يَقَعُ الطَّلاقُ فِي الحَيْضِ؛ مُسْتَنِدًا إلى ما رَوَاهُ مِنْ طريقِ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ السَّلامِ الخُشَنِيِّ الأَنْدَلُسِيِّ: حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حدَّثَنا عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، عنْ نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امرأَتَهُ وهيَ حائِضٌ قالَ: لا يُعْتَدُّ بهَا. وبإسنادِهِ عنْ خِلاسٍ نَحْوَهُ؛ فإنَّ هذا الأثرَ قدْ سَقَطَتْ مِنْ آخِرِهِ لفْظَةُ: وهيَ. قالَ: لا يُعْتَدُّ بتلكَ الحَيْضَةِ. كذلكَ روَاهُ أبو بَكْرِ بنُ أبِي شَيْبَةَ فِي كتابِهِ عنْ عبدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، وكذا روَاهُ يَحْيَى بنُ مَعِينٍ عنْ عبدِ الوَهَّابِ أيضًا، وقالَ: هوَ غريبٌ لمْ يُحَدِّثْ بهِ إلَّا عبدُ الوَهَّابِ، ومُرَادُ ابنِ عمرَ أنَّ الحَيْضَةَ التي طَلَّقَ فيهَا لا تَعْتَدُّ بهَا المرأةُ قُرْءًا، وهذا هوَ مرادُ خِلاسٍ وغيرِهِ.

وقدْ رُوِيَ ذلكَ أيضًا عنْ جماعَةٍ من السَّلَفِ؛ مِنهم زيدُ بنُ ثابِتٍ وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ، فوَهِمَ جماعةٌ من المُفَسِّرِينَ وغيرُهم كما وَهِمَ ابنُ حَزْمٍ، فحَكَوْا عنْ بعضِ مَنْ سَمَّيْنا أنَّ الطَّلاقَ فِي الحَيْضِ لا يَقَعُ، وهذا سَبَبُ وَهْمِهِم، واللَّهُ أعلمُ.

وهذا الحديثُ إنَّما روَاهُ القاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ لمَّا سُئِلَ عنْ رجُلٍ لهُ ثلاثةُ مساكِنَ، فأَوْصَى بثُلُثِ ثلاثِ مساكِنَ، هلْ تُجْمَعُ لهُ فِي مَسْكَنٍ واحِدٍ؟ فقالَ: يُجْمَعُ ذلكَ كُلُّهُ فِي مَسْكَنٍ واحِدٍ، حدَّثَتْنِي عائِشَةُ، أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) ). خَرَّجَهُ مُسلمٌ. ومُرَادُهُ أنَّ تَغْيِيرَ وصيَّةِ المُوصِي إلى ما هوَ أحَبُّ إلى اللَّهِ وأنفَعُ جائِزٌ. وقدْ حُكِيَ هذا عنْ عَطَاءٍ وابنِ جُرَيْجٍ، ورُبَّمَا يَسْتَدِلُّ بعضُ مَنْ ذَهَبَ إلى هذا بقولِهِ تعالَى: {فمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} . ولعَلَّهُ أخَذَ هذا مِنْ جَمْعِ العِتْقِ؛ فإنَّهُ صَحَّ، أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَدَعَاهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وَسَلَّمَ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزاءٍ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ. وذهَبَ فقهاءُ الحديثِ إلى هذا الحديثِ؛ لأنَّ تكميلَ عِتْقِ العَبْدِ مَهْمَا أمْكَنَ أوْلَى مِنْ تَشْقِيصِهِ؛ ولهذا شُرِعَت السِّرَايَةُ والسِّعَايَةُ إذا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نصيبَهُ مِنْ عَبْدٍ. وقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ أَعْتَقَ بعْضَ عَبْدٍ لهُ: (( هُوَ عَتِيقٌ كُلُّهُ؛ لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ ) ). وأكثرُ العلماءِ على خلافِ قَوْلِ القاسِمِ هذا، وأنَّ وَصِيَّةَ المُوصِي لا تُجْمَعُ، ويُتَّبَعُ لفْظُهُ إلَّا فِي العِتْقِ خاصَّةً؛ لأنَّ المعنَى الذي جُمِعَ لهُ فِي العِتْقِ غيرُ موجودٍ فِي بقيَّةِ الأموالِ، فيُعْمَلُ فيهَا بمُقْتَضَى وَصِيَّةِ المُوصِي.

وذَهَبَ طائِفَةٌ من الفقهاءِ فِي العِتْقِ إلى أنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كلِّ عبدٍ ثُلُثُهُ، ويُسْتَسْعَوْنَ فِي الباقِي. واتِّبَاعُ قضاءِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحقُّ وأَوْلَى، والقاسِمُ نَظَرَ إلى أنَّ فِي مُشارَكَةِ المُوصَى لهُ للوَرَثَةِ فِي المساكِنِ كُلِّهَا ضَرَرًا عليهم، فيَدْفَعُ عنهم هذا الضَّرَرَ بجَمْعِ الوصيَّةِ فِي مَسْكَنٍ واحِدٍ؛ فإنَّ اللَّهَ قدْ شَرَطَ فِي الوصيَّةِ عدَمَ المُضَارَّةِ بقولِهِ تعالَى: {غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ} [النساء: 12] ، فمَنْ ضَارَّ فِي وَصِيَّتِهِ كانَ عمَلُهُ مَرْدُودًا عليهِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ ما شَرَطَ اللَّهُ فِي الوصيَّةِ.

وقدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ من الفقهاءِ إلى أنَّهُ لوْ وَصَّى لهُ بثُلُثِ مساكِنِهِ كُلِّهَا، ثمَّ تَلَفَ ثُلُثَا المساكِنِ وبَقِيَ مِنهَا ثُلُثٌ، أنَّهُ يُعْطَى كُلُّهُ للمُوصَى لهُ. وهذا قولُ طائِفَةٍ مِنْ أصحابِ أبي حنيفَةَ، وحُكِيَ عنْ أبي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ، ووافَقَهم القاضِي أبو يَعْلَى مِنْ أصحابِنَا فِي خلافِهِ، وَبنَوْا ذلكَ على أنَّ المساكِنَ المُشْتَرَكَةَ تُقَسَّمُ بينَ المُشْتَرِكِينَ فيهَا قِسْمَةَ إِجْبَارٍ، كما هوَ قَوْلُ مالِكٍ، وظاهِرُ كلامِ ابنِ أبي مُوسَى مِنْ أصحابِنا، والمشهورُ عندَ أصحابِنا أنَّ المساكِنَ المُتَعَدِّدَةَ لا تُقَسَّمُ قِسْمَةَ إجبارٍ. وهوَ قولُ أبي حَنِيفَةَ والشَّافِعِيِّ. وقدْ تأوَّلَ بعضُ المالِكِيَّةِ فُتْيَا القاسِمِ المذكورَةَ فِي هذا الحديثِ على أنَّ أحَدَ الفريقَيْنِ مِن الوَرَثَةِ أو المُوصَى لهم طَلَبَ قِسْمَةَ المَسَاكِنِ، وكانَتْ مُتَقَارِبَةً بحيثُ يُضَمُّ بعضُهَا إلى بعضٍ فِي القسمَةِ؛ فإنَّهُ يُجَابُ إلى قِسْمَتِهَا على قولِهِم. وهذا التَّأويلُ بَعِيدٌ مُخَالِفٌ للظَّاهِرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت