فهرس الكتاب
وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنَّ تَرْكَ ما لا يَعْنِي المَرْءَ مِنْ حُسْنِ إسلامِهِ، فإذا تَرَكَ ما لا يَعْنِيهِ، وفَعَلَ ما يَعْنِيهِ كُلَّهُ، فَقَدْ كَمُلَ حُسْنُ إسلامِهِ. وقدْ جاءَت الأحاديثُ بفَضْلِ مَنْ حَسُنَ إسلامُهُ وأنَّهُ تُضَاعَفُ حَسَنَاتُهُ، وتُكَفَّرُ سَيِّئَاتُهُ. والظَّاهِرُ أنَّ كَثْرَةَ المُضَاعَفَةِ تكونُ بحسَبِ حُسْنِ الإِسلامِ؛ ففي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ) ). فالمضاعفةُ للحَسَنَةِ بعَشْرِ أمثالِهَا لا بدَّ مِنهُ، والزِّيادةُ على ذلكَ تكونُ بحسَبِ إحسانِ الإِسلامِ، وإخلاصِ النِّيَّةِ، والحاجةِ إلى ذلكَ العملِ وفضلِهِ؛ كالنَّفَقَةِ في الجِهادِ، وفي الحَجِّ، وفي الأقارِبِ، وفي اليتامَى والمساكينِ، وأوقاتِ الحاجَةِ إلى النَّفَقَةِ. ويشهدُ لذلكَ ما رُوِيَ عنْ عَطِيَّةَ، عن ابنِ عمرَ قالَ: نَزَلَتْ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِهَا} [الأنعام: 160] في الأعرابِ، قيلَ لهُ: فمَا للمُهاجِرينَ؟ قالَ: مَا هُوَ أكثرُ. ثمَّ تلا قولَهُ تعالى: {وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40] .
وخرَّجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ حَسَنَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، وَمُحِيَتْ عَنْهُ كُلُّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ ) ). وفي روايَةٍ أُخْرَى: (( وَقِيلَ لَهُ: ائْتَنِفِ الْعَمَلَ ) ). والمرادُ بالحسناتِ والسيِّئاتِ التي كانَ أزْلَفَها: ما سبَقَ منهُ قبلَ الإسلامِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ يُثَابُ بحَسَنَاتِهِ في الكُفْرِ إذا أَسْلَمَ، وتُمْحَى عنهُ سيِّئاتُهُ إذا أسلَمَ، لكنْ بشَرْطِ أنْ يَحْسُنَ إسلامُهُ، ويَتَّقِيَ تلكَ السَّيِّئاتِ في حالِ إسلامِهِ. وقدْ نَصَّ على ذلكَ الإمامُ أحمدُ. ويَدُلُّ على ذلكَ ما في (الصَّحيحيْنِ) : عن ابنِ مسعودٍ قالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: (( أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ) ).
وفي (صحيحِ مسلمٍ) : عنْ عمرِو بنِ العاصِ، قالَ للنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَسْلَمَ: أُرِيدُ أنْ أَشْتَرِطَ، قالَ: (( تَشْتَرِطُ مَاذَا؟ ) )قُلْتُ: أنْ يُغْفَرَ لِي، قالَ: (( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ ) ). وخَرَّجَهُ الإِمامُ أحمدُ، ولفظُهُ: (( إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ) ). وهذا محمولٌ على الإِسلامِ الكامِلِ الحَسَنِ؛ جمعًا بينَهُ وبينَ حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي قبلَهُ.
وفي (صحيحِ مسلمٍ) أيضًا: عنْ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَصْنَعُها فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَو عَتَاقَةٍ أَوْ صِلَةِ رَحِمٍ، أَفِيها أَجْرٌ؟ فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ ) ). وفي روايَةٍ لهُ: قالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَدَعُ شَيْئًا صَنَعْتُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِلَّا صَنَعْتُ فِي الإِسلامِ مِثْلَهُ. وهذا يدُلُّ على أنَّ حسَنَاتِ الكافِرِ إذا أسلَمَ يُثابُ عليها، كما دَلَّ عليهِ حديثُ أبي سعيدٍ المُتَقَدِّمُ.
وقدْ قيلَ: إنَّ سيِّئَاتِهِ في الشِّرْكِ تُبَدَّلُ حَسَنَاتٍ، ويُثابُ عليها؛ أخذًا منْ قولِهِ تعالَى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفُرْقان: 68، 69، 70] . وقد اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هذا التَّبديلِ على قَوْلَيْنِ:
فمِنهمْ مَنْ قالَ: هوَ في الدُّنيا بمعنَى أنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ مَنْ أَسْلَمَ وتابَ إليهِ بَدَلَ ما كانَ عليهِ مِن الكُفْرِ والمعَاصِي الإيمانَ والأعمالَ الصالِحَةَ. وحَكَى هذا القولَ إبراهيمُ الحَرْبِيُّ في (غريبِ الحديثِ) عنْ أكثرِ المُفَسِّرِينَ، وسَمَّى مِنهم ابنَ عبَّاسٍ، وعَطَاءً، وقَتَادَةَ، والسُّدِّيَّ، وعِكْرِمَةَ. قُلْتُ: وهوَ المشهورُ عن الحَسَنِ.