الصفحة 117 من 811

في عائدٍ متَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ ... بفِعْلٍ او وَصْفٍ كمَن نَرْجُو يَهَبْ [1]

يعني: أن بعضَ العربِ أَعْرَبَ (أيًّا) مطلقًا؛ أي: وإنْ أُضِيفَتْ وحُذِفَ صدرُ صِلَتِها، فيقولُ: (يُعْجِبُنِي أيُّهم قائمٌ، ورَأَيْتُ أَيَّهُم قائمٌ، ومَرَرْتُ بأيِّهِم قائمٌ) ، وقد قُرِئَ: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيَّهُمْ أَشَدُّ) بالنصبِ، ورُوِيَ:

* فَسَلِّمْ عَلَى أَيِّهِمْ أَفْضَلُ * [33]

بالجرِّ.

وأشارَ بقولِهِ: (وفي ذا الحذفِ ... إلى آخرِه) إلى المواضعِ التي يُحْذَفُ فيها العائدُ على الموصولِ، وهو إمَّا أنْ يكونَ مرفوعًا أو غيرَه، فإنْ كانَ مرفوعًا لم يُحْذَفْ إلاَّ إذا كانَ مبتدأً وخبرُه مفردٌ، نحوُ: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ} ، و {أَيُّهُمْ أَشَدُّ} ، فلا تقولُ: (جَاءَنِي اللذانِ قامَ) ، ولا (اللذانِ ضَرَبَ) ؛ لرفعِ الأوَّلِ بالفاعليَّةِ، والثاني بالنيابةِ، بل يُقالُ: (قاما وضَرَبَا) .

وأما المبتدأُ فيُحْذَفُ معَ (أيٍّ) ، وإنْ لم تَطُلِ الصلةُ كما تَقَدَّمَ من قولِكَ: (يُعْجِبُنِي أَيُّهم قائمٌ) ونحوِه، ولا يُحْذَفُ صدرُ الصلةِ معَ غيرِ (أيٍّ) إلا إذا طَالَتِ الصلةُ، نحوُ: (جاءَ الذي هو ضاربٌ زَيْدًا) ، فيَجُوزُ حذفُ (هو) فتقولُ: (جاءَ الذي ضَارِبٌ زيدًا) ، ومِنه قولُهم: (ما أنا بالذي قائلٌ لكَ سُوءًا) ، التقديرُ: (بالذي هو قائلٌ لكَ سُوءًا) ، فإنْ لم تَطُلِ الصلةُ فالحذفُ قليلٌ، وأَجَازَه الكُوفِيُّونَ قياسًا، نحوُ: (جاءَ الذي قائمٌ) ، التقديرُ: (جاءَ الذي هو قائمٌ) ، ومِنه قولُه تعالى: (تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ) في قراءةِ الرفعِ، والتقديرُ: (هو أَحْسَنُ) [2] .

(1) (في عَائِدٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بكثير أو بمُنْجَلٍ في البيتِ السابقِ، (مُتَّصِلٍ) نعتٌ لعائدٍ، (إِنْ) شَرْطِيَّةٌ، (انْتَصَبْ) فعلٌ ماضٍ فِعْلُ الشرطِ مبنيٌّ على الفتحِ في محلِّ جزمٍ، وسُكِّنَ للوقفِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يَرْجِعُ إلى عائدٍ، (بِفِعْلٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بانْتَصَبْ، (أو وَصْفٍ) معطوفٌ على فِعْلٍ، (كَمَنْ) الكافُ جارَّةٌ، ومَجْرُورُها محذوفٌ، ومَنِ: اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ، (نَرْجُو) فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ بضمَّةٍ مقدَّرَةٍ على الواوِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه نحنُ، ومفعولُه محذوفٌ، وهو العائدُ، والتقديرُ: كمَن نرْجُوهُ، والجملةُ لا مَحَلَّ لها صِلَةٌ، (يَهَبْ) فعلٌ مضارعٌ مرفوعٌ لِتَجَرُّدِهِ مِن الناصبِ والجازمِ، وعلامةُ رَفْعِهِ الضمَّةُ الظاهرةُ، وسُكِّنَ للوقفِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جوازًا تقديرُه هو يعودُ على (مَن) ، والجملةُ في محلِّ رفعِ خبرِ المبتدأِ.

(2) ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنه يَجُوزُ حذفُ العائدِ المرفوعِ بالابتداءِ مطلقًا؛ أي: سواءٌ أكانَ الموصولُ أيًّا أمْ غَيْرَه، وسواءٌ أَطَالَتِ الصلةُ أم لم تَطُلْ، وذَهَبَ البصريونَ إلى جوازِ حذفِ هذا العائدِ إذا كانَ الموصولُ أيًّا مُطْلَقًا، فإنْ كانَ الموصولُ غيرَ أيٍّ لم يُجِيزُوا الحذفَ إلا بشرطِ طولِ الصلةِ، فالخلافُ بينَ الفريقيْنِ مُنْحَصِرٌ فيما إذا لم تَطُلِ الصلةُ وكانَ الموصولُ غيرَ أيٍّ، فأمَّا الكُوفِيُّونَ فاسْتَدَلُّوا بالسَّمَاعِ، فمِن ذلك قراءةُ يَحْيَى بنِ يَعْمُرَ: (تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ) قالُوا: التقديرُ: على الذي هو أَحْسَنُ، ومن ذلكَ قراءةُ مالكِ بنِ دِينَارٍ وابنِ السماكِ: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا) قالُوا: التقديرُ: مثلًا الذي هو بَعُوضَةٌ فما فَوْقَها، ومِن ذلكَ قولُ الشاعِرِ:

لاَ تَنْوِ إِلاَّ الَّذِي خَيْرٌ فَمَا شَقِيَتْ ... إلاَّ نُفُوسُ الأُلَى للشَّرِّ نَاوُونَا

قالوا: التقديرُ: لا تَنْوِ إلا الذي هو خيرٌ، ومن ذلكَ قولُ الآخرِ:

مَنْ يُعْنَ بِالْحَمْدِ لَمْ يَنْطِقْ بِمَا سَفَهٌ ... وَلاَ يَحِدْ عَنْ سَبِيلِ المجْدِ والكَرَمِ

قالوا: تقديرُ هذا البيتِ: مَن يُعْنَ بالحمدِ لم يَنْطِقْ بالذي هو سَفَهٌ. ومن ذلكَ قولُ عَدِيِّ بنِ زَيْدٍ العَبَّادِيِّ:

لم أَرَ مِثْلَ الْفِتْيَانِ فِي غَبَنِ الْـ ... أَيَّامِ يَدْرُونَ مَا عَوَاقِبُهَا

قالوا: ما موصولةٌ، والتقديرُ: يَدْرُونَ الذي هو عَوَاقِبُها.

وبعضُ هذا الشواهدِ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا من الإعرابِ غيرَ الذي ذَكَرُوه؛ فمِن ذلكَ أنَّ (ما) في الآيةِ الثانيةِ يجوزُ أنْ تكونَ زائدةً، و (بَعُوضَةٌ) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ومِن ذلك أن (ما) في بيتِ عَدِيِّ بنِ زَيْدٍ يَحْتَمِلُ أنْ تكونَ استفهاميَّةً مبتدأً، وما بعدَها خبرٌ، والجملةُ في مَحَلِّ نَصْبِ مفعولٍ به لِيَدْرُونَ، وقد عُلِّقَ عنها لأنَّها مُصَدَّرَةٌ بالاستفهامِ، والكلامُ يَطُولُ إذا نحنُ تَعَرَّضْنَا لكلِّ واحدٍ مِن هذه الشواهدِ، فلْنَجْتَزِئْ لكَ هنا بالإشارةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت