فهرس الكتاب
التقديرُ: بانوها هم، فحَذَفَ الضميرَ لأَمْنِ اللَّبسِ.
وأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ اوْ بِحَرْفِ جَرْ ... نَاوِينَ مَعْنَى (كَائِنٍ) أو (اسْتَقَرْ) [1]
تَقَدَّمَ أنَّ الخبرَ يكونُ مفردًا ويكونُ جملةً، وذكَرَ المصنِّفُ في هذا البيتِ أنه يكونُ ظرفًا أو جارًّا ومجرورًا [2] ، نحوُ: (زيدٌ عندَكَ) ، و (زيدٌ في الدارِ) ، فكلٌّ مِنهما متعلِّقٌ بمحذوفٍ واجبِ الحذفِ [3] .
(1) (وأَخْبَرُوا) الواوُ للاستئنافِ، وأَخْبَرُوا: فعلٌ وفاعلٌ، (بِظَرْفٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بأَخْبَرُوا، (أوْ) عاطفةٌ، (بحَرْفِ) جارٌّ ومجرورٌ معطوفٌ على الجارِّ والمجرورِ السابقِ، وحرفِ مضافٌ و (جَرْ) مضافٌ إليه، (نَاوِينَ) حالٌ مِن الواوِ في قولِهِ: (أَخْبَرُوا) ، منصوبٌ بالياءِ نيابةً عن الفتحةِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه، (مَعْنَى) مفعولٌ به لناوينَ، ومعنَى مضافٌ و (كائِنٍ) مضافٌ إليه، (أو) عاطفةٌ، (اسْتَقَر) قُصِدَ لفظُه. وهو معطوفٌ على كائنٍ.
(2) يُشْتَرَطُ لصحَّةِ الإخبارِ بالظرفِ والجارِّ والمجرورِ: أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ منهما تامًّا، ومعنَى التمامِ أنْ يُفْهَمَ مِنه مُتَعَلِّقُه المحذوفُ، وإنما يُفْهَمُ مُتَعَلِّقُ كلِّ واحدٍ مِنهما منه في حالتيْنِ:
أُولاهُمَا: أنْ يكونَ المُتَعَلِّقُ عامًّا، نحوُ: زيدٌ عندَكَ، وزيدٌ في الدارِ.
وثانيهما: أنْ يكونَ المُتَعَلِّقُ خاصًّا، وقد قامَتِ القرينةُ الدَّالةُ عليه، كأنْ يقولَ لكَ قائلٌ: زيدٌ مسافرٌ اليومَ وعمرٌو غدًا. فتقولُ له: بل عمرٌو اليومَ وزيدٌ غدًا. وجَعَلَ ابنُ هِشامٍ في المعنى مِن هذا الأخيرِ قولَه تعالى: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ} ؛ أي: الحرُّ يُقْتَلُ بالحُرِّ والعبدُ يُقْتَلُ بالعبدِ.
(3) ههنا أمرانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُتَعَلِّقَ يكونُ واجبَ الحذفِ إذا كانَ عامًّا، فأمَّا إذا كانَ خاصًّا ففيه تفصيلٌ؛ فإنْ قامَتْ قرينةٌ تَدُلُّ عليه إذا حُذِفَ جازَ حَذْفُه وجازَ ذِكْرُه، وإنْ لم تَكُنْ هناكَ قرينةٌ تُرْشِدُ إليه وَجَبَ ذِكْرُه، هذا مَذْهَبُ الجمهورِ في هذا الموضوعِ، وسَنَعُودُ إليه في شرحِ الشاهدِ رَقْمِ 43 الآتِي قريبًا، وذَهَبَ ابنُ جِنِّيٍّ إلى جَوَازِ ذِكْرِ المُتَعَلِّقِ إذا كانَ كونًا عامًّا.
الأمرُ الثاني: اعْلَمْ أنه قدِ اخْتَلَفَ النحاةُ في الخبرِ: أهو مُتَعَلِّقُ الظرفِ والجارِّ والمجرورِ فقطْ، أم هو نفسُ الظرفِ والجارِّ والمجرورِ فقطْ، أم هو مجموعُ المُتَعَلِّقُ والظرفِ أو الجارِّ والمجرورِ؟ فذَهَبَ جمهورُ البَصريِّينَ إلى أنَّ الخبرَ هو المجموعُ؛ لِتَوَقُّفِ الفائدةِ على كلِّ واحدٍ مِنهما، والصحيحُ الذي نُرَجِّحُه أنَّ الخبرَ هو نفسُ المُتَعَلِّقُ وَحْدَه، وأنَّ الظرفَ أو الجارَّ والمجرورَ قَيْدٌ له، ويُؤَيِّدُ هذا أنهم أَجْمَعُوا على أنَّ المُتَعَلِّقُ إذا كانَ خاصًّا فهو الخبرُ وحدَه، سواءٌ أكانَ مذكورًا أم كانَ قد حُذِفَ لقرينةٍ تَدُلُّ عليه، وهذا الخلافُ إنما هو في المُتَعَلِّقُ العامِّ، فلْيَكُنْ مِثْلَ الخاصِّ؛ طردًا للبابِ على وَتيرةٍ واحدةٍ.