الصفحة 259 من 811

لا التي لِنَفْيِ الجِنْسِ

عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلاَ فِي نَكِرَهْ ... مُفْرَدَةً جَاءَتْكَ أَوْ مُكَرَّرَهْ [1]

هذا هو القِسْمُ الثالِثُ مِن الحروفِ الناسِخَةِ للابتداءِ، وهي (لا) التي لِنَفْيِ الجِنْسِ، والمرادُ بها (لا) التي قُصِدَ بها التنصيصُ على استغراقِ النفيِ للجِنْسِ كُلِّهِ.

وإنما قُلْتُ: (التنصيصُ) احْتِرَازًا عن التي يَقَعُ الاسمُ بعدَها مرفوعًا، نحوُ: (لا رَجُلٌ قَائِمًا) ؛ فإنَّها لَيْسَتْ نَصًّا في نَفْيِ الجِنْسِ؛ إذ يَحْتَمِلُ نفيُ الواحدِ ونفيُ الجِنْسِ، فبتقديرِ إرادةِ نفيِ الجنسِ لا يَجُوزُ: (لا رَجلٌ قائمًا، بل رَجُلانِ) ، وبتقديرِ إرادةِ نفيِ الواحدِ يَجُوزُ: (لا رَجُلٌ قائمًا، بل رَجُلانِ) .

وأمَّا (لا) هذه فهي لنفيِ الجِنْسِ ليسَ إلاَّ، فلا يَجُوزُ: (لا رَجُلَ قائمٌ، بل رَجُلانِ) .

وهي تَعْمَلُ عَمَلَ (إنَّ) ؛ فتَنْصِبُ المبتدأَ اسْمًا لها، وتَرْفَعُ الخبرَ خَبَرًا لها، ولا فرقَ في هذا العملِ بينَ المفردَةِ، وهي التي لم تَتَكَرَّرْ، نحوُ: (لا غُلامَ رَجُلٍ قَائِمٌ) ، وبينَ المُكَرَّرَةِ، نحوُ: (لا حولَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ) [2] .

ولا يكونُ اسْمُها وخَبَرُها إلاَّ نَكِرَةً [3] ، فلا تَعْمَلُ في المعرفةِ، وما وَرَدَ مِن ذلك مُؤَوَّلٌ بنَكِرَةٍ؛ كقَوْلِهِم: (قَضِيَّةٌ ولا أبا حَسَنٍ لَهَا) ، فالتقديرُ: ولا مُسَمًّى بهذا الاسمِ لها [4] ، ويَدُلُّ على أنه معامَلٌ معامَلَةَ النكرةِ وَصْفُه بالنكرةِ؛ كقولِكَ: (لا أبا حَسَنٍ حَلاَّلًا لها) ، ولا يُفْصَلُ بينَها وبينَ اسمِها، فإنْ فُصِلَ بينَهما أُلْغِيَتْ؛ كقولِهِ تعالى: {لاَ فِيهَا غَوْلٌ} .

(1) (عَمَلَ) مفعولٌ أَوَّلُ مُقَدَّمٌ على عامِلِه، وهو قولُه: (اجْعَلِ) الآتي، وعَمَلَ مضافٌ و (إنَّ) قُصِدَ لَفْظُهُ: مضافٌ إليه، (اجْعَلْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (لِلاَ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ باجْعَلْ، وهو المفعولُ الثاني لاجْعَلْ، (في نَكِرَهْ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ باجْعَلْ، (مُفْرَدَةً) حالٌ مِن الضميرِ المُسْتَتِرِ في (جَاءَتْكَ) الآتي، (جَاءَتْكَ) جاءَ: فِعْلٌ ماضٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يعودُ على (لا) ، والتاءُ للتأنيثِ، والكافُ مفعولٌ به لِجَاءَ، (أو) عاطفةٌ، (مُكَرَّرَهْ) معطوفٌ على مُفْرَدَةً.

(2) ومعَ أنها تَعْمَلُ مُفْرَدَةً ومُكَرَّرَةً فعَمَلُها بعدَ استيفاءِ شُرُوطِها وهي مُفْرَدَةٌ وَاجِبٌ، وعَمَلُها مُكَرَّرَةً جائزٌ.

(3) الشروطُ التي يَجِبُ تَوَافُرُها لإعمالِ (لا) عَمَلَ إنَّ سِتَّةٌ: وهي: أنْ تكونَ نافيةً، وأنْ يكونَ المنفيُّ بها الجِنْسَ، وأنْ يكونَ النفيُ نَصًّا في ذلك، وألاَّ يَدْخُلَ عليها جارٌّ كما دَخَلَ عليها في نحوِ قولِهم: جِئْتُ بلا زَادٍ، وقولِهم: غَضِبْتُ مِن لا شيءٍ، وأنْ يكونَ اسْمُها وخَبَرُها نَكِرَتَيْنِ، وألا يَفْصِلَ بينَها وبينَ اسْمِها فاصلٌ؛ أيُّ فاصلٍ ولا خَبَرِها، وقد صَرَّحَ الشارِحُ هنا بشرطيْنِ، وهما الخامسُ والسادسُ، وأشارَ في صدرِ كلامِه إلى الثلاثةِ الأولى، وتَرَكَ واحدًا، وهو ألاَّ يَدْخُلَ عليها جارٌّ.

(4) هكذا أَوَّلَهُ الشارِحُ، وليسَ تأويلُه بصحيحٍ؛ لأنَّ المسمَّى بأبي حَسَنٍ موجودٌ وكثيرونَ، فالنفيُ غيرُ صادقٍ.

وقد أَوَّلَهُ العلماءُ بتأويليْنِ آخَرَيْنِ:

أَحَدُهما: أنَّ الكلامَ على حَذْفِ مضافٍ، والتقديرُ: ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ لها، ومثلَ كَلِمَةٌ مُتَوَغِّلَةٌ في الإبهامِ، لا تَتَعَرَّفُ بالإضافةِ، ونفيُ المِثْلِ كنايةٌ عن نفيِ وجودِ أبي الحَسَنِ نفسِه.

والثاني: أنْ يُجْعَلَ (أبا حَسَنٍ) عبارةً عن اسمِ جنسٍ، وكأنه قد قِيلَ: ولا فَيْصَلَ لها، وهذا مثلُ تأويلِهم في بابِ الاستعارةِ، نحوُ: (حاتِمٍ) بالمُتَنَاهِي في الجُودِ، ونحوُ: (مَادِرٍ) بالمتناهي في البُخْلِ، ونحوُ: (يُوسُفَ) بالمُتناهي في الحُسْنِ، وضَابِطُه: أنْ يُؤَوَّلَ الاسمُ العَلَمُ بما اشْتُهِرَ به مِن الوصفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت