الصفحة 296 من 811

أي: (وتَحْسَبُ حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ) ، فحَذَفَ المفعوليْنِ، وهما (حُبَّهُم) و (عارًا عَلَيَّ) ؛ لِدَلالةِ ما قَبْلَهما عليهما.

ومثالُ حَذْفِ أَحَدِهما للدَّلالةِ أنْ يُقالَ: (هل ظَنَنْتَ أحدًا قائمًا؟) ، فتقولَ: (ظَنَنْتُ زيدًا) ؛ أي: ظَنَنْتُ زيدًا قائمًا، فتَحْذِفُ الثانِيَ للدَّلالةِ عليه، ومنه قولُه:

133 -ولَقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنِّي غَيْرَهُ ... مِنِّي بِمَنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ [1]

(1) هذا البيتُ لِعَنْتَرَةَ بنِ شَدَّادٍ العَبْسِيِّ، مِن مُعَلَّقَتِهِ المشهورةِ التي مَطْلَعُها:

هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ ... أمْ هَلْ عَرَفْتَ الدارَ بعدَ تَوَهُّمِ

اللغةُ: (غَادَرَ) تَرَكَ، (مُتَرَدَّمِ) بزِنَةِ اسمِ المفعولِ، وهو في الأصلِ اسمُ مكانٍ مِن قولِكَ: رَدَمْتُ الشيءَ، إذا أَصْلَحْتَه، ويُرْوَى: (مُتَرَنَّمِ) بالنونِ: وهو صوتٌ خَفِيٌّ تُرَجِّعُه بينَكَ وبينَ نَفْسِكَ، يريدُ: هل أَبْقَى الشعراءُ معنًى إلاَّ سَبَقُوكَ إليه؟ ‍وهل يَتَهَيَّأُ لكَ أو لغيرِكَ أنْ تَجِيءَ بشيءٍ جديدٍ؟

(المُحَبِّ) اسمُ مفعولٍ مِن أَحَبَّ، وهو القياسُ، ولكنه قليلٌ في الاستعمالِ، والأكثرُ أنْ يقالَ في اسمِ المفعولِ: محبوبٌ، أو حَبِيبٌ، معَ أنهم هَجَرُوا الفعلَ الثلاثيَّ، وفي اسمِ الفاعلِ قالُوا: مُحِبٌّ، من الفعلِ المستعمَلِ الذي هو المزيدُ فيه.

المعنى: أنتِ عندي بمنزلةِ المُحَبِّ المكرَمِ، فلا تَظُنِّي غيرَ ذلك حاصِلًا.

الإعرابُ: (ولَقَدْ) الواوُ للقَسَمِ، واللامُ للتأكيدِ، وقد: حرفُ تحقيقٍ، (نَزَلْتِ) فعلٌ وفاعلٌ، (فلا) ناهيةٌ، (تَظُنِّي) فعلٌ مضارعٌ مجزومٌ بلا الناهيةِ، وعلامةُ جَزْمِهِ حذفُ النونِ، وياءُ المخاطَبَةِ فاعلٌ، (غَيْرَهُ) غيرَ: مفعولٌ أَوَّلُ لِتَظُنِّي، وغيرَ مضافٌ وضميرُ الغائبِ مضافٌ إليه، والمفعولُ الثاني محذوفٌ، (مِنِّي) جَارٌّ ومَجْرُورٌ، مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: نَزَلْتِ، (بمنزلةِ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ أيضًًا بِنَزَلْتِ، ومَنْزِلَةِ مضافٌ و (المُحَبِّ) مضافٌ إليه، (المُكْرَمِ) نعتٌ للمُحَبِّ.

الشاهدُ فيه: قولُه: (فلا تَظُنِّي غَيْرَه) حيثُ حَذَفَ المفعولَ الثانِيَ اخْتِصارًا، وذلك جائزٌ عندَ جَمْهَرَةِ النُّحَاةِ، خِلافًا لابنِ ملكونَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت