فهرس الكتاب
الفاعِلُ
الفاعِلُ الَّذِي كَمَرْفُوعَيْ (أَتَى ... زَيْدٌ) (مُنِيرًا وَجْهُهُ) (نِعْمَ الْفَتَى) [1]
لَمَّا فَرَغَ مِن الكلامِ على نواسِخِ الابتداءِ شَرَعَ في ذِكْرِ ما يَطْلُبُه الفعلُ التامُّ من المرفوعِ، وهو الفاعِلُ أو نائبُه، وسيأتي الكلامَ على نائبِه في البابِ الذي يَلِي هذا البابَ.
فأمَّا الفاعِلُ فهو الاسمُ المُسْنَدُ إليه فِعْلٌ على طريقةِ فَعَلَ، أو شِبْهُهُ، وحُكْمُه الرفعُ [2] .
(1) (الفاعِلُ) مبتدأٌ، (الذي) اسمٌ موصولٌ: خبرُ المبتدأِ، (كَمَرْفُوعَيْ) جَارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ صلةُ الموصولِ، (أَتَى زيدٌ) فعلٌ وفاعلٌ، ومَرْفُوعَيْ مضافٌ وجملةُ الفعلِ والفاعلِ بمُتَعَلِّقَاتِهَا في مَحَلِّ جرٍّ مضافٌ إليه، (مُنِيرًا) حالٌ، وهو اسمُ فاعلٍ، (وَجْهُهُ) وَجْهُ: فاعلٌ بِمُنِيرٍ، ووجهُ مضافٌ والضميرُ مضافٌ إليه، (نِعْمَ الْفَتَى) فِعْلٌ وفاعِلٌ.
(2) وقد يُنْصَبُ الفاعِلُ ويُرْفَعُ المفعولُ إذا أُمِنَ اللَّبْسُ، وقد وَرَدَ عن العربِ قولُهم: (خَرَقَ الثوبُ المِسْمَارَ) ، وقولُهم: (كَسَرَ الزُّجَاجُ الحَجَرَ) . وقالَ الأَخْطَلُ:
مِثْلُ القَنَافِذِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ ... نَجْرَانُ أَوْ بَلَغَتْ سَوْآتِهِمْ هَجَرُ
وقالَ عمرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيُّ:
أَلَمْ تَسْأَلِ الأَطْلالَ وَالمُتَرَبَّعَا ... بِبَطْنِ حُلَيَّاتٍ دَوَارِسَ أَرْبَعَا
إلى الشَّرْيِ مِن وَادِي المُغَمَّسِ بَدَّلَتْ ... مَعَالِمَهُ وَبْلًا وَنَكْبَاءَ زَعْزَعَا
ورُبَّمَا نَصَبُوا الفاعلَ والمفعولَ جميعًا، كما قالَ الراجِزُ:
قَدْ سَالَمَ الْحَيَّاتِ مِنْهُ الْقَدَمَا ... الأُفْعُوَانَ والشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا
وربما رَفَعُوهما جميعًا؛ كما قالَ الشاعرُ:
إنَّ مَن صَادَ عَقْعَقًا لَمَشُومُ ... كَيْفَ مَنْ صَادَ عَقْعَقَانِ وَبُومُ
وسَيُشِيرُ الشارِحُ في مَطْلَعِ بابِ المفعولِ به إلى هذه المسألةِ، ونَتَعَرَّضُ هناكَ للكلامِ عليها مرَّةً أخرى، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
والمُبِيحُ لذلك كلِّه اعْتِمَادُهُم على انفهامِ المعنَى، وهم لا يَجْعَلُونَ ذلك قِيَاسًا، ولا يَطْرُدُونَه في كلامِهم، ولا يَسْتَبِيحُونَه في حالِ السَّعَةِ والتمكُّنِ من القولِ.
وقد يُجَرُّ لَفْظُ الفاعلِ بإضافةِ المصدرِ، نحوُ قولِه تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ} .
أو بإضافةِ اسمِ المصدرِ، نحوُ قولِهِ عليه الصلاةُ والسلامُ: (( مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ ) ).
وقد يُجَرُّ الفاعلُ بالباءِ الزائدةِ، وذلك على ثلاثةِ أنواعٍ:
الأوَّلُ: وَاجِبٌ، وذلك في أَفْعِلِ الذي على صورةِ فعلِ الأمرِ في بابِ التعجُّبِ، نحوُ قولِه تعالى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} ، ونحوُ قولِ الشاعِرِ:
أَخْلِقْ بِذِي الصَّبْرِ أَنْ يَحْظَى بِحَاجَتِهِ ... ومُدْمِنِ القَرْعِ للأبوابِ أَنْ يَلِجَا
الثاني: كَثيرٌ غالبٌ، وهو في فاعلِ (كَفَى) ، نحوُ قولِه تعالى: {كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا} ، ومن القليلِ في فاعلِ كَفَى تَجَرُّدُه مِن الباءِ، كما في قولِ سُحَيْمِ بنِ وَثِيلٍ الرِّيَاحِيِّ:
عُمَيْرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غَازِيَا ... كَفَى الشَّيْبُ والإسلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيَا
فقد جاءَ بفاعلِ (كفَى) ، وهو قولُه: (الشيبُ) غيرَ مجرورٍ بالباءِ.
والثالثُ: شاذٌّ، وذلك فيما عدا أَفْعِلْ في التعجُّبِ وفاعلِ كَفَى، وذلك نحوُ قولِ الشاعرِ:
أَلَمْ يَأْتِيكَ والأنباءُ تَنْمِي ... بما لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ
فالباءُ في (بما) زائدةٌ، وما: موصولٌ اسميٌّ فاعلُ يأتي، وهذا بعضُ تَخْرِيجَاتِ هذا البيتِ.
وقد يُجَرُّ الفاعلُ بمِن الزائدةِ إذا كانَ نَكِرَةً بعدَ نفيٍ أو شِبْهِهِ، نحوُ قولِهِ تعالى: {مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ} ، والفاعلُ حينَئذٍ مرفوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ على الراجِحِ، فاحْفَظْ ذلك كلَّه.