الصفحة 352 من 811

أشارَ بهذيْن البيتيْنِ إلى القِسْمِ الثاني، وهو ما يَجِبُ فيه الرفعُ [1] ، فيَجِبُ رفعُ الاسمِ المشتغَلِ عنه إذا وَقَعَ بعدَ أداةٍ تَخْتَصُّ بالابتداءِ، كإذا التي لِلْمُفَاجَأَةِ، فتقولُ: (خَرَجْتُ فإذا زيدٌ يَضْرِبُهُ عَمْرٌو) برفْعِ (زيدٌ) ، ولا يَجُوزُ نَصْبُه؛ لأنَّ (إذا) هذه لا يَقَعُ بعدها الفعلُ لا ظاهرًا ولا مُقَدَّرًا.

وكذلك يَجِبُ رَفْعُ الاسمِ السابقِ إذا وَلِيَ الفعلَ المشتغِلَ بالضميرِ أداةٌ لا يَعْمَلُ ما بعدَها فيما قبلَها؛ كأدواتِ الشرطِ والاستفهامِ، و (ما) النافيةِ، نحوُ: (زيدٌ إنْ لَقِيتَهُ فأَكْرِمْه، وزيدٌ هل تَضْرِبُه؟ وزيدٌ ما لَقِيتَه) ، فيَجِبُ رَفْعُ (زيدٌ) في هذه الأمثلةِ ونحوِها [2] ، ولا يَجُوزُ نَصْبُه؛ لأنَّ ما لا يَصْلُحُ أنْ يَعْمَلَ فيما قبلَه لا يَصْلُحُ أنْ يُفَسِّرَ عاملًا فيما قبلَه، وإلى هذا أشارَ بقولِهِ: (كذا إذا الفِعْلُ تلا ... إلى آخرِه) .

(1) للمؤلِّفِينَ اختلافٌ في اعتبارِ هذا القِسْمِ برُمَّتِهِ مِن بابِ الاشتغالِ، فابنُ الحاجِبِ لم يَذْكُرْه أَصْلًا، وابنُ هِشامٍ يَنُصُّ على أنه ليسَ مِن بابِ الاشتغالِ، ولا يَصْدُقُ ضابطُه عليه؛ وذلك لأننا اشْتَرَطْنَا في ضابطِ الاشتغالِ أنَّ العامِلَ في المشغولِ به لو تَفَرَّغَ مِن الضميرِ وسُلِّطَ على الاسمِ السابقِ المشغولِ عنه لعَمِلَ فيه (انْظُرْ كلامَ الشارحِ في ص 130) .

وفي هذا القِسْمِ لا يَتِمُّ ذلك؛ ألاَ تَرَى أنَّ نحوَ قولِكَ: (خَرَجْتُ فإذا زيدٌ يَضْرِبُه عَمْرٌو) لو حَذَفْتَ الضميرَ لم يَعْمَلْ (يَضْرِبُ) في (زيدٌ) المتقدِّمِ؛ لأنَّ المتقدِّمَ مرفوعٌ، والمتأخِّرَ يَطْلُبُ منصوبًا لا مرفوعًا، ولأنَّ الفعلَ المتأخِّرَ لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ بعدَ (إذا) ، ومِن الناسِ مَن عَدَّهُ من بابِ الاشتغالِ غيرَ مُكْتَرِثٍ بهذا الضابطِ، والحقُّ هو الأوَّلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاه.

(2) الأشياءُ التي لا يَعْمَلُ ما بعدَها فيما قبلَها عَشَرَةُ أنواعٍ:

الأوَّلُ: أدواتُ الشرطِ جَمِيعُها، نحوُ: زَيْدٌ إِنْ لَقِيتَه فأَكْرِمْهُ، وزَيْدٌ حيثُما تَلْقَه فأَكْرِمْهُ.

الثاني: أدواتُ الاستفهامِ جميعُها، نحوُ: زيدٌ هل أَكْرَمْتَه؟ وعليٌّ أَسَلَّمْتَ عليه؟

الثالثُ: أدواتُ التحضيضِ جَمِيعُها، نحوُ: زَيْدٌ هَلاَّ أَكْرَمْتَه، وخالدٌ ألا تَزُورُ.

الرابعُ: أدواتُ العَرْضِ جَمِيعُها، نحوُ: زَيْدٌ ألا تُكْرِمُه، وبكرٌ أمَا تُجِيبُه.

الخامِسُ: لامُ الابتداءِ، نحوُ: زيدٌ لأنَا قد ضَرَبْتُه، وخالدٌ لأنا أُحِبُّه حُبًّا جَمًّا.

السادسُ: (كم) الخبريَّةُ، نحوُ: زيدٌ كم ضَرَبْتُه، وإبراهيمُ كم نَصَحْتُ له.

السابعُ: الحروفُ الناسخةُ، نحوُ: زَيْدٌ إنِّي ضَرَبْتُه، وبكرٌ كأنه السيفُ مَضَاءَ عَزِيمَةٍ.

الثامنُ: الأسماءُ الموصولةُ، نحوُ: زيدٌ الذي تَضْرِبُه، وهندٌ التي رأيتَها.

التاسعُ: الأسماءُ الموصوفةُ بالعامِلِ المشغولِ، نحوُ: زيدٌ رجلٌ ضَرَبْتُه.

العاشرُ: بعضُ حروفِ النفيِ، وهي (ما) مُطْلَقًا، نحوُ: زيدٌ رجلٌ ما ضَرَبْتُه، و (لا) بشرطِ أنْ تَقَعَ في جوابِ قَسَمٍ، نحوُ: زيدٌ واللهِ لا أَضْرِبُه، فإنْ كانَ حرفُ النفيِ غيرَ (ما) و (لا) ، نحوُ: زَيْدٌ لم أَضْرِبْه ـ أو كانَ حرفُ النفيِ هو (لا) وليسَ في جوابِ القَسَمِ، نحوُ: زيدٌ لا أَضْرِبُه ـ فإنَّه يَتَرَجَّحُ الرفعُ ولا يَجِبُ؛ لأنَّها حينَئذٍ لا تَفْصِلُ ما بعدَها عمَّا قبلَها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت