فهرس الكتاب
هذا هو الذي تَقَدَّمَ أنه القِسْمُ الرابِعُ، وهو ما يَجُوزُ فيه الأمرانِ، ويُخْتَارُ الرفعُ، وذلك كلُّ اسمٍ لم يُوجَدْ معَه ما يُوجِبُ نَصْبَه، ولا ما يُوجِبُ رَفْعَه، ولا ما يُرَجِّحُ نَصْبَه، ولا ما يُجَوِّزُ فيه الأمريْنِ على السواءِ، وذلك نحوُ: (زيدٌ ضَرَبْتُه) ، فيَجُوزُ رفعُ (زيدٍ) ونصبُه، والمختارُ رَفْعُه؛ لأنَّ عدمَ الإضمارِ أَرْجَحُ مِن الإضمارِ، وزَعَمَ بعضُهم أنه لا يَجُوزُ النصبُ؛ لِمَا فيه مِن كُلْفَةِ الإضمارِ، وليسَ بشيءٍ؛ فقد نَقَلَه سِيبَوَيْهِ وغيرُه من أئِمَّةِ العربيَّةِ، وهو كثيرٌ، وأَنْشَدَ أبو السَّعَادَاتِ ابنُ الشَّجَرِيِّ في أَمَالِيهِ على النصبِ قولَه:
158 -فَارِسًا مَا غَادَرُوهُ مُلْحَمًا ... غَيْرَ زُمَّيْلٍ ولا نِكْسٍ وَكِلْ [1]
(1) البيتُ لامرأةٍ مِن بني الحارِثِ بنِ كَعْبٍ، وهو أوَّلُ ثلاثةِ أبياتٍ اخْتَارَهَا أبو تَمَّامٍ في دِيوَانِ الحماسةِ (انْظُرْ شَرْحَ التِّبْرِيزِيِّ 3/ 121 بتحقِيقِنا) ، ونَسَبَها قومٌ إلى عَلْقَمَةَ بنِ عَبدَةَ، وليسَ ذلك بشيءٍ، وبعدَ بيتِ الشاهدِ قولُها:
لو يَشَا طارَ به ذُو مَيْعَةٍ ... لاحِقُ الآطالِ نَهْدٌ ذُو خُصَلْ
غيرَ أنَّ البأسَ مِنهُ شِيمَةٌ ... وصُرُوفُ الدهرِ تَجْرِي بالأَجَلْ
اللغةُ: (فَارِسًا) هذه الكَلِمَةُ تُرْوَى بالرفعِ وبالنصبِ، ومِمَّن رَوَاهَا بالرفعِ أبو تَمَّامٍ في دِيوَانِ الحماسةِ، ومِمَّن رَوَاهَا بالنصبِ أبو السَّعَادَاتِ ابنُ الشَّجَرِيِّ كما قالَ الشارِحُ، (ما) زائدةٌ، (غَادَرُوهُ) تَرَكُوه مكانَه، وسُمِّيَ الغَديرُ غَدِيرًا؛ لأنَّه جزءٌ مِن الماءِ يَتْرُكُه السيْلُ، فهو بهذا المعنى فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ في الأصلِ، ثمَّ نُقِلَ إلى الاسميَّةِ، (مُلْحَمٌ) بزِنَةِ المفعولِ: الذي يَنْشَبُ في الحربِ فلا يَجِدُ له مُخَلِّصًا، (الزُّمَّيْلُ) بضمِّ أوَّلِه وتشديدِ ثانيه مفتوحًا: الضعيفُ الجبانُ، (النِّكْسُ) بكسرِ أوَّلِه وسكونِ ثانيه: الضعيفُ الذي يَقْصُرُ عن النجدةِ وعن غايةِ المجدِ والكرمِ، (الوَكِلُ) بزِنَةِ كَتِفٍ: الذي يَكِلُ أَمْرَه إلى غيرِه عَجْزًا، (لو يَشَا ... إلخ) معناه: أنه لو شاءَ النجاةَ لأَنْجَاهُ فَرَسٌ له نَشاطٌ وسُرعةُ جريٍ وحِدَّةٌ، والنَّهْدُ: الغَلِيظُ، والخُصَلُ: جمعُ خُصْلَةٍ، وهي ما يَتَدَلَّى من أطرافِ الشعَرِ، (غيرَ أنَّ البأسَ ... إلخ) الشِّيمَةُ: الطبيعةُ والسَّجِيَّةُ والخَلِيقَةُ، وصُرُوفُ الدهرِ: أحوالُه وأهوالُه وأحداثُه وغِيَرُه ونَوَازِلُه، واحدُها صَرْفٌ.
الإعرابُ: (فَارِسًا) مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُه ما بعدَه، وتقديرُ الكلامِ: غَادَرُوا فَارِسًا، (ما) حرفٌ زائدٌ لِقَصْدِ التفخيمِ، ويجوزُ أنْ يكونَ اسمًا نكرةً بمعنى عَظِيمٍ، فهو حينَئذٍ نعتٌ لفارِسٍ، (غَادَرُوهُ) فعلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ به، (مُلْحَمًا) حالٌ مِن الضميرِ المنصوبِ في غَادَرُوه، ويقالُ: مفعولٌ ثانٍ. وليسَ بذاكَ، (غَيْرَ) حالٌ ثانٍ، وغيرَ مضافٌ و (زُمَّيْلٍ) مضافٌ إليه، (ولا نِكْسٍ) الواوُ عاطفةٌ، ولا: زائدةٌ لتأكيدِ النفيِ، ونِكْسٍ: معطوفٌ على زُمَّيْلٍ، (وَكِلْ) صفةٌ لِنِكْسٍ.
الشاهدُ فيه: قولُه: (فَارِسًا ما غَادَرُوهُ) حيثُ نصَبَ الاسمَ السابقَ، وهو قولُه: (فَارِسًا) المُشْتَغَلُ عنه، بفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّرُهُ المذكورُ بعدَه، ولا مُرَجِّحَ للنصبِ في هذا الموضِعِ ولا مُوجِبَ له، فلَمَّا نَصَبَ (فَارِسًا) معَ خُلُوِّ الكلامِ مِمَّا يُوجِبُ النصبَ أو يُرَجِّحُه ـ دَلَّ على أنَّ النصبَ حينَئذٍ جائزٌ، وليسَ مُمْتَنِعًا.