فهرس الكتاب
أي: مِن المصدرِ المحذوفِ عاملُه وُجُوبًا ما يُسَمَّى المؤكِّدَ لِنَفْسِهِ والمُؤَكِّدَ لغيرِه.
فالمؤكِّدُ لنفسِه: الواقِعُ بعدَ جُمْلَةٍ لا تَحْتَمِلُ غيرَه، نحوُ: (له عليَّ أَلْفٌ عُرْفًا) ؛ أي: اعْتِرَافًا، فاعْتِرَافًا مصدرٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوبًا، والتقديرُ: (أَعْتَرِفُ اعْتِرَافًا) ، ويُسَمَّى مُؤَكِّدًا لنفسِه؛ لأنَّه مُؤَكِّدٌ للجملةِ قبلَه، وهي نفسُ المصدرِ، بمعنى: أنَّها لا تَحْتَمِلُ سِوَاهُ، وهذا هو المرادُ بقولِهِ: (فالمُبْتَدَا) ؛ أي: فالأوَّلُ مِن القِسْمَيْنِ المذكوريْنِ في البيتِ الأوَّلِ.
والمؤكِّدُ لغيرِه: هو الواقِعُ بعدَ جُمْلةٍ تَحْتَمِلُه وتَحْتَمِلُ غيرَه، فتَصِيرُ بذِكْرِهِ نَصًّا فيه، نحوُ: (أنتَ ابْنِي حَقًّا) ، فحقًّا مصدرٌ منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوبًا، والتقديرُ: أَحُقُّهُ حقًّا، وسُمِّيَ مُؤَكِّدًا لِغَيْرِهِ؛ لأنَّ الجملةَ قبلَه تَصْلُحُ له ولغيرِه؛ لأنَّ قَوْلَكَ: (أنتَ ابني) يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ حقيقةً، وأنْ يكونَ مجازًا على معنى أنتَ عندِي في الحُنُوِّ بمنزلةِ ابْنِي، فلَمَّا قالَ: (حَقًّا) صارَتِ الجملةُ نَصًّا في أنَّ المرادَ البُنُوَّةُ حقيقةً، فتَأَثَّرَتِ الجملةُ بالمصدرِ؛ لأنَّها صَارَتْ به نَصًّا، فكانَ مُؤَكِّدًا لِغَيْرِهِ؛ لِوُجُوبِ مُغَايَرَةِ المُؤَثِّرِ للمُؤَثَّرِ فيه.
كذاكَ ذُو التَّشْبِيهِ بَعْدَ جُمْلَهْ ... كـ (لِي بُكًا بُكَاءَ ذَاتِ عُضْلَهْ) [1]
أي: كذلك يَجِبُ حَذْفُ عاملِ المصدرِ إذا قُصِدَ به التشبيهُ بعدَ جملةٍ مُشْتَمِلَةٍ على فاعلِ المصدرِ في المعنى [2] ، نحوُ: (لِزَيْدٍ صَوْتٌ صَوْتَ حِمَارٍ، وله بُكاءٌ بُكَاءَ الثَّكْلَى) ، فـ (صوتَ حِمارٍ) مصدرٌ تَشْبِيهِيٌّ، وهو منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ وُجُوبًا،
(1) (كَذَاكَ) كذا: جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والكافُ حرفُ خِطابٍ، (ذو) اسمٌ بمعنى صاحِبٍ: مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وذو مضافٌ و (التشبيهِ) مُضَافٌ إليهِ، (بَعْدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٌ، وبعدَ مضافٌ و (جُمْلَة) مُضَافٌ إليهِ، (كَلِي) الكافُ جَارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، لي، جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (بُكًا) قُصِرَ للضرورةِ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، (بُكَاءَ) مفعولٌ مطلَقٌ، وبكاءَ مضافٌ و (ذاتِ) مُضَافٌ إليهِ، (وذاتِ) مضافٌ و (عُضْلَهْ) مُضَافٌ إليهِ.
(2) الشروطُ التي تُشْتَرَطُ في هذا الموضِعِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ؛ ثلاثةٌ مِنها تُشْتَرَطُ في المفعولِ المطلَقِ نفسِه، والأربعةُ الباقيةُ في الكلامِ الذي يَسْبِقُه.
فأمَّا الثلاثةُ التي يَجِبُ أنْ تَتَحَقَّقَ في المفعولِ المُطْلَقِ، فهي: أنْ يكونَ مَصْدَرًا، وأنْ يكونَ مُشْعِرًا بالحدوثِ، وأنْ يكونَ المرادُ به التشبيهَ.
وأمَّا الأربعةُ التي يَجِبُ أنْ تَتَحَقَّقَ فيما يَتَقَدَّمُه، فهي: أنْ يكونَ السابِقُ عليه جُمْلَةً، وأنْ تكونَ هذه الجملةُ مُشْتَمِلَةً على فاعلِ المصدرِ، وأنْ تكونَ أيضًًا مُشْتَمِلَةً على معنى المصدرِ، وأنْ يكونَ في هذه الجملةِ ما يَصْلُحُ للعملِ في المصدرِ.
فإنْ لم يَكُنِ المصدرُ مُشْعِرًا بالحُدُوثِ، نحوُ قولِكَ: لِفُلانٍ ذَكاءٌ ذَكَاءُ الحُكَمَاءِ، أو لم تَتَقَدَّمْه جملةٌ، بل تَقَدَّمَهُ مُفْرَدٌ؛ كقولِكَ: صَوْتُ فُلانٍ صَوْتُ حِمَارٍ، أو تَقَدَّمَتْهُ جُملةٌ ولكنَّها لم تَشْتَمِلْ على فاعلِ المصدرِ؛ كقولِكَ: دَخَلْتُ الدارَ فإذا فيها نَوْحٌ نَوْحُ الحَمامِ ـ ففي كلِّ هذه المُثُلِ وما أَشْبَهَهَا لا يكونُ المصدرُ مفعولًا مُطْلَقًا والعاملُ فيه محذوفٌ وُجُوبًا، بل هو فيما ذَكَرْنَا مِمَّا تَقَدَّمَتْه جُمْلَةٌ مِن الأمثلةِ بَدَلٌ ممَّا قبلَه.