الصفحة 397 من 811

الاسمُ الواقِعُ بعدَ هذه الواوِ إمَّا أنْ يُمْكِنَ عَطْفُه على ما قبلَه أو لا، فإنْ أَمْكَنَ عَطْفُه فإمَّا أنْ يكونَ بضَعْفٍ أو بلا ضَعْفٍ.

فإنْ أَمْكَنَ عَطْفُه بلا ضَعْفٍ فهو أحقُّ مِن النصبِ، نحوُ: (كُنْتُ أنا وزَيْدٌ كالأَخَوَيْنِ) ، فرَفْعُ (زيدٍ) عَطْفًا على المُضْمَرِ المُتَّصِلِ أَوْلَى مِن نَصْبِهِ مفعولًا معَه؛ لأنَّ العطفَ مُمْكِنٌ للفَصْلِ، والتَّشْرِيكُ أَوْلَى من عدمِ التشريكِ، ومِثْلُه: (سارَ زيدٌ وعَمْرٌو) ، فرَفْعُ (عَمْرٌو) أَوْلَى مِن نَصْبِهِ.

وإنْ أَمْكَنَ العطفُ بضَعْفٍ فالنصبُ على المَعِيَّةِ أَوْلَى مِن التشريكِ [1] ؛ لِسَلامَتِهِ مِن الضَّعْفِ، نحوُ: (سِرْتُ وزَيْدًا) ، فنَصْبُ (زيدٍ) أَوْلَى مِن رَفْعِهِ؛ لِضَعْفِ العطفِ على المُضْمَرِ المرفوعِ المُتَّصِلِ بلا فاصِلٍ.

وإنْ لم يُمْكِنْ عَطْفُه تَعَيَّنَ النصبُ على المَعِيَّةِ أو على إِضمارِ فِعْلٍ يَلِيقُ به؛ كقولِه:

166 -عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا [2]

(1) الضَّعْفُ الذي لا يَتَأَتَّى معَه العطفُ إمَّا أنْ يكونَ لفظيًّا؛ أي: عائدًا إلى اللفظِ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ صِنَاعَةُ الإعرابِ، وإمَّا أنْ يكونَ مَعْنَوِيًّا، وقد مَثَّلَ الشارِحُ للضَّعْفِ اللفظيِّ ولم يُمَثِّلْ للضعفِ المعنويِّ؛ أي: الذي يَرْجِعُ إلى ما يُرِيدُ المتكلِّمُ مِن المعنى.

ومِن أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُم: (لو تَرَكْتَ الناقَةَ وفَصِيلَها لَرَضَعَها) ، وبيانُه: أنك لو عَطَفْتَ الفَصِيلَ على الناقةِ لصارَ المعنى: أنَّ رَضاعَ الفَصِيلِ للناقةِ مُتَسَبِّبٌ عن مُجَرَّدِ تَرْكِكَ إيَّاهما، وليسَ كذلك، فيَلْزَمُكَ أنْ تَجْعَلَ التقديرَ على العطفِ: لو تَرَكْتَ الناقةَ وتَرَكْتَ فَصِلَها يُرْضَعُها ـ تعني: يَتَمَكَّنُ مِن رَضَاعِها ـ لَرَضَعَهَا، فأمَّا نصبُ هذا على أنه مفعولٌ معَه فيَصِيرُ به المعنى: لو تَرَكْتَ الناقةَ معَ فَصِيلِها لَرَضَعَها، وهذا صحيحٌ مُؤَدٍّ إلى المقصودِ؛ لأنَّ المَعِيَّةَ يُرَادُ بها المَعِيَّةُ حِسًّا ومَعْنًى، فالتكلُّفُ الذي اسْتَوْجَبَهُ العَطْفُ لِتَصْحِيحِ المعنى هو الذي جَعَلَه ضَعِيفًا، ومثلُه قولُ الشاعِرِ:

إِذَا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِن امْرِئٍ ... فَدَعْهُ وَوَاكِلْ أَمْرَهُ وَاللَّيَالِيَا

إذ لو عَطَفَ (اللَّيَالِيَ) على (أَمْرَهُ) لكُنْتَ مُحْتَاجًا إلى تقديرِ: وَاكِلْ أَمْرَهُ لِلَّيَالِي ووَاكِلِ الليالِيَ لأمرِهِ، فأمَّا جَعْلُ الواوِ بمعنى معَ ونَصْبُ الاسمِ على أنه مفعولٌ معَه فلا يُحْوِجُ إلى شيءٍ.

(2) هذا البيتُ مِن الشواهدِ التي لم يَذْكُرِ العلماءُ نِسْبَتَهَا إلى قائلٍ مُعَيَّنٍ، وقد اخْتَلَفُوا في تَتِمَّتِهِ؛ فيَذْكُرُ بَعْضُهُم أنَّ الشاهِدَ صَدْرُ بيتٍ، وأنَّ تَمَامَه:

* حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا *

ويَرْوِيهِ العَلاَّمَةُ الشِّيرَازِيُّ عَجُزَ بَيْتٍ، ويَرْوِي له صَدْرًا هكذا:

* لَمَّا حَطَطْتُ الرَّحْلَ عَنْهَا وَارِدَا *

اللغةُ: (شَتَتْ) يُرْوَى في مكانِه: (بَدَتْ) ، وهما بمعنًى واحدٍ، (هَمَّالَةً) اسمُ مبالغةٍ مِن هَمَلَتِ العينُ، إذا انْهَمَرَتْ بالدموعِ.

الإعرابُ: (عَلَفْتُهَا) فِعْلٌ وفاعلٌ ومفعولٌ أوَّلُ، (تِبْنًا) مفعولٌ ثانٍ، (وماءً) ظاهرُه أنه مَعْطُوفٌ على ما قبلَه، وسَتَعْرِفُ ما فيه، (باردًا) صفةٌ للمعطوفِ الذي هو ماءً.

الشاهدُ فيه: قولُه: (وماءً) ؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ عَطْفُه على ما قبلَه؛ لكونِ العاملِ في المعطوفِ عليه لا يَتَسَلَّطُ على المعطوفِ؛ إذْ لا يقالُ: (عَلَفْتُهَا ماءً) ، ومن أجلِ ذلك كانَ نَصْبُه على أحدِ ثلاثةِ أَوْجُهٍ: إمَّا بالنصبِ على المعيَّةِ، وإما على تقديرِ فِعْلٍ يُعْطَفُ على (عَلَفْتُهَا) ، والتقديرُ: عَلَفْتُها تِبْنًا وسَقَيْتُها ماءً، وإمَّا على أنْ تُضَمِّنَ (عَلَفْتُهَا) معنى (أَنَلْتُهَا) أو (قَدَّمْتُ لها) ، ونحوِ ذلك لِيَسْتَقِيمَ الكلامُ، وقد ذَكَرَ الشارِحُ في البيتِ والآيةِ الكريمةِ وجهيْنِ من هذه الثلاثةِ.

وسيأتي لهذا نظائرُ نَذْكُرُها معَ شَرْحِ الشاهدِ (رَقْمِ 299) في مباحثِ عَطْفِ النَّسَقِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت