فهرس الكتاب
الاسْتِثْنَاءُ
ما اسْتَثْنَتِ (الاَّ) مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ ... وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ [1]
إِتْبَاعُ ما اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ وعَنْ تَمِيمٍ فِيهِ إِبْدَالٌ وَقَعْ [2]
حُكْمُ المُسْتَثْنَى بِـ (إلاَّ) النصْبُ إنْ وَقَعَ بعدَ تَمَامِ الكلامِ المُوجَبِ، سواءٌ كانَ مُتَّصِلًا أو مُنْقَطِعًا [3] ، نحوُ: (قامَ القومُ إلاَّ زيدًا، وضَرَبْتُ القومَ إلاَّ زيدًا، ومَرَرْتُ بالقومِ إلا زيدًا، وقامَ القومُ إلاَّ حِمَارًا، وضَرَبْتُ القومَ إلا حِمارًا، ومَرَرْتُ بالقومِ إلاَّ حِمارًا) ، فـ (زيدًا) في هذه المُثُلِ منصوبٌ على الاستثناءِ، وكذلك (حِمارًا) .
(1) (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ مبتدأٌ، (اسْتَثْنَت) اسْتَثْنَى: فِعْلٌ ماضٍ، والتاءُ للتأنيثِ، (إلاَّ) قُصِدَ لفظُه: فاعلُ اسْتَثْنَتْ، والجملةُ مِن اسْتَثْنَتْ وفاعلِه لا مَحَلَّ لها صلةٌ، والعائدُ إلى الموصولِ محذوفٌ، والتقديرُ: ما اسْتَثْنَتْهُ إلاَّ، (مَعْ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ باسْتَثْنَتْ، ومعْ مُضافٌ و (تَمَامٍ) مُضَافٌ إليهِ، (يَنْتَصِبْ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى ما الموصولةِ الواقعةِ مبتدأً، والجملةُ مِن يَنْتَصِبُ وفاعلِه في مَحَلِّ رفعٍ خبرُ المُبْتَدَأِ، (وبعدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (انْتُخِبَ) الآتي، وبعدَ مضافٌ و (نَفْيٍ) مُضَافٌ إليهِ، (أو) حرفُ عطفٍ، (كَنَفْيٍ) الكافُ اسمٌ بمعنى مِثْلَ، مَعْطُوفٌ على نَفْيٍ، والكافُ مضافٌ ونفيٍ مُضَافٌ إليهِ، (انْتُخِبْ) فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ.
(2) (إتباعُ) نائبُ فاعلٍ لانْتُخِبَ في آخِرِ البيتِ السابقِ، وإتباعُ مضافٌ و (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ: مُضَافٌ إليهِ، وجملةُ (اتَّصَلَ) وفاعلِه المستَتِرِ فيه العائدِ إلى ما لا مَحَلَّ لها صِلَةٌ، (وَانْصِبْ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُه أنتَ، (ما) اسمٌ مَوْصُولٌ: مفعولٌ به لانْصِبْ، وجملةُ (انْقَطَعَ) وفاعلِه المستترِ فيه العائدِ إلى (ما) لا مَحَلَّ لها صلةٌ، (وعن تَمِيمٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (وَقَعَ) الآتي، (فيه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، (إِبْدَالٌ) مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وجملةُ (وَقَعَ) من الفعلِ الماضي وفاعلِه المستترِ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُه هو يعودُ إلى إبدالٌ في مَحَلِّ رفعٍ نعتٌ لإبدالٌ، والتقديرُ: إبدالٌ كائنٌ في المُنْقَطِعِ وَقَعَ عن تَمِيمٍ، ويجوزُ أنْ تَجْعَلَ جملةَ (وَقَعَ) وفاعلِه المستترِ فيه العائدِ إلى إبدالٌ خبرًا عن المبتدأِ، وعلى هذا يكونُ قولُه: (عن تَمِيمٍ) وقولُه: (فِيهِ) جارَّيْنِ ومجروريْنِ يَتَعَلَّقُ كلٌّ مِنهما بِوَقَعَ، والتقديرُ: وإبدالٌ وَاقِعٌ في المنقطِعِ عن تَمِيمٍ.
(3) قد وَقَعَ في كلامِ العربِ ما ظَاهِرُه أنَّ المُسْتَثْنَى بإلاَّ بعدَ كلامٍ تامٍّ مُوجَبٍ لم يَنْتَصِبْ على الاستثناءِ، بل جاءَ تابعًا لِمَا قبلَه في إعرابِهِ.
من ذلك قولُ الأخطلِ التَّغْلِبِيِّ:
وبِالصَّرِيمَةِ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ خَلَقٌ ... عافٍ تَغَيَّرَ إِلاَّ النُّؤْيُ والْوَتِدُ
ومَحَلُّ الاستشهادِ من هذا البيتِ قولُه: (تَغَيَّرَ إلاَّ النُّؤْيُ والوَتِدُ) ؛ فإنَّ الكلامَ ـ بحَسَبِ الظاهرِ ـ مُوجَبٌ؛ إذ لم يَتَقَدَّمْه نفيٌ ولا شِبْهُهُ، وهو تامٌّ؛ لأنَّه قد تَقَدَّمَ فيه ذِكْرُ المُسْتَثْنَى منه وهو الضميرُ المستترُ في (تَغَيَّرَ) العائدُ على المَنْزِلِ، فكانَ مِن حَقِّ الكلامِ على هذا أنْ يَنْتَصِبَ ما بعدَ إلاَّ على أنه مُسْتَثْنًى، لكنَّ الشاعرَ قد جاءَ به مرفوعًا على أنه بَدَلٌ مِن الضميرِ المستَتِرِ في (تَغَيَّرَ) الذي هو المُسْتَثْنَى منه.
ومن ذلك قولُ الآخَرِ:
لِدَمٍ ضَائِعٍ تَغَيَّبَ عَنْهُ ... أَقْرَبُوهُ إِلاَّ الصَّبَا والدَّبُورُ
ومَحَلُّ الشاهدِ من هذا البيتِ قولُه: (تَغَيَّبَ ... أَقْرَبُوه إلاَّ الصَّبَا والدَّبُورُ) ؛ فإنَّ الكلامَ مُوجَبٌ؛ إذ لم يَتَقَدَّمْهُ نفيٌ ولا شِبْهُهُ، وهو تامٌّ؛ لأنَّه قد تَقَدَّمَ فيه ذِكْرُ المُسْتَثْنَى منه، وهو قولُه: (أَقْرَبُوهُ) ، فكانَ مِن حَقِّ العربيَّةِ أنْ يَنْتَصِبَ الاسمُ الواقعُ بعدَ إلاَّ، لكِنَّ الشاعرَ قد جاءَ به مَرْفُوعًا على أنه بَدَلٌ مِن الاسمِ الواقعِ قبلَها، وهو المُسْتَثْنَى منه.
وقد بَيَّنَ العلماءُ في هذيْنِ البيتيْنِ ونحوِهما أنَّ هذا الظاهرَ غيرُ مُرَاعًى ولا مُلْتَفَتٍ إليه، وأنَّ الكلامَ ـ وإنْ كانَ إيجابًا في الظاهرِ ـ نَفْيٌ عندَ التحقيقِ؛ لأنَّ معنَى (تَغَيَّرَ) في البيتِ الأوَّلِ (لم يَبْقَ على حالِه) ، ومعنى (تَغَيَّبَ عنه أَقْرَبُوهُ) في البيتِ الثاني لم يَحْضُرُوا، وأنتَ تَعْلمُ أنَّ الشاعرَ الأوَّلَ لو أنه قالَ (لم يَبْقَ على حالِه إلاَّ النُّؤْيُ والوَتِدُ) ، وأنَّ الشاعرَ الثانِيَ لو قالَ (لم يَحْضُرْ أَقْرَبُوه إلاَّ الصَّبَا والدَّبُورُ) لكانَ يجوزُ لكلِّ واحدٍ مِنهما أنْ يَرْفَعَ ما بعدَ إلاَّ على البدليَّةِ وأنْ يَنْصِبَه على الاستثناءِ، فقد صَنَعَ كلٌّ مِنهما ما يجوزُ له؛ لأنَّه فُهِمَ أنَّ الكلامَ إذا كانَ بمعنى كلامٍ مَنْفِيٍّ أَخَذَ حُكْمَ الكلامِ المَنْفِيِّ.
وعلى هذا يكونُ مُرَادُ النَّحْوِيِّينَ بقولِهِم فيما يَجِبُ نَصْبُه على الاستثناءِ: (كلامٌ مُوجَبٌ) ، أنه ليسَ مَنْفِيًّا مُطْلَقًا، لا في اللفظِ ولا في المعنى. فافْهَمْ ذلك وتَدَبَّرْهُ.