الصفحة 425 من 811

يَكْثُرُ مَجِيءُ الحالِ جامدةً إنْ دَلَّتْ على سِعْرٍ، نحوُ: (بِعْهُ مُدًّا بِدِرْهَمٍ) [1] ، فمُدًّا حالٌ جامدةٌ، وهي في معنى المشتَقِّ؛ إذ المعنَى: (بِعْهُ مُسَعَّرًا كلَّ مُدٍّ بِدِرْهَمٍ) .

ويَكْثُرُ جُمُودُها أيضًًا فيما دَلَّ على تَفَاعُلٍ، نحوُ: (بِعْتُهُ يَدًا بِيَدٍ) [2] ؛ أي: مُنَاجَزَةً، أو على تشبيهٍ، نحوُ: (كَرَّ زَيْدٌ أَسَدًا) ؛ أي: مُشْبِهًا الأسدَ، فـ (يَدٍ وأَسَدٍ) جامدانِ، وصَحَّ وُقُوعُهما حالًا؛ لِظُهُورِ تَأَوُّلِهِما بِمُشْتَقٍّ؛ كما تَقَدَّمَ، وإلى هذا أشارَ بقولِهِ: (وفي مُبْدِي تَأَوُّلِ) ؛ أي: يَكْثُرُ مَجِيءُ الحالِ جامدةً حيثُ ظَهَرَ تَأَوُّلُها بِمُشْتَقٍّ.

وعُلِمَ بهذا وما قبلَه أنَّ قَوْلَ النَّحْوِيِّينَ: (إنَّ الحالَ يَجِبُ أنْ تكونَ مُنْتَقِلَةً مُشْتَقَّةً) معناه: أنَّ ذلك هو الغالِبُ، لا أنه لازِمٌ، وهذا معنى قولِهِ: فيما تَقَدَّمَ: (لكِنْ لَيْسَ مُسْتَحَقَّا) [3] .

(1) يجوزُ في هذا المثالِ وجهانِ: أَحَدُهما: رَفْعُ المُدِّ، وثانيهما: نَصْبُه، فأمَّا رَفْعُ (مُدٍّ) فعلى أنْ يكونَ مُبْتَدأً، والجارُّ والمجرورُ بعدَه مُتَعَلِّقَانِ بمَحْذُوفٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ، وجازَ الابتداءُ بالنكرةِ؛ لأنَّ لها وَصْفًا مَحْذُوفًا، وتقديرُ الكلامِ: بِعِ الْبُرَّ (مَثَلًا) مُدٌّ مِنه بدِرْهَمٍ، وجملةُ المبتدأِ وخبرِهِ في مَحَلِّ نصبٍ حالٌ، والرابِطُ هو الضميرُ المجرورُ مَحَلاًّ بمِن، ولا يكونُ المثالُ - على هذا الوجهِ - مِمَّا نحنُ بِصَدَدِهِ؛ لأنَّ الحالَ جملةٌ لا مفردٌ جامدٌ، أمَّا نصبُ مُدٍّ فعلى أنْ يكونَ حالًا، والجارُّ والمجرورُ بَعْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ صفةٌ له، ويكونُ المثالُ حِينَئِذٍ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، والمشتَقُّ المُؤَوَّلُ به ذلك الحالُ يكونُ مأخوذًا من الحالِ وصِفَتِهِ جَمِيعًا، وتَقْدِيرُهُ: مُسَعَّرًا.

ويجوزُ أنْ يكونَ هذا الحالُ حالًا من فاعلِ بِعْهُ، فيكونُ (مُسَعَّرًا) الذي تُؤَوِّلُهُ به بكسرِ العينِ مُشَدَّدَةً اسمُ فاعلٍ، ويجوزُ أنْ يكونَ حالًا مِن المفعولِ، فيكونُ قولُكَ: (مُسَعَّرًا) بفتحِ العينِ مُشَدَّدَةً اسمَ مفعولٍ.

(2) هذا المثالُ كالذي قبلَه يجوزُ فيه رَفْعُ (يَدٍ) ونَصْبُه، وإعرابُ الوجهيْنِ هنا كإعرابِهِما في المثالِ السابِقِ، والتقديرُ على الرفعِ: يَدٌ مِنه على يَدٍ مِنِّي، والتقديرُ على النصبِ: يَدًا كائنةً معَ يَدٍ.

(3) ذَكَرَ الشارِحُ ثلاثةَ مواضِعَ تَجِيءُ فيها الحالُ جامدةً، وهي في تأويلِ المشتقِّ، وهي: أنْ تَدُلَّ الحالُ على سِعْرٍ، أو على تَفَاعُلٍ - ومنه دَلاَلَتُها على مُنَاجَزَةٍ - أو على تَشْبِيهٍ، وقد بَقِيَتْ خمسةُ مواضعَ أُخرى:

الأوَّلُ: أنْ تَدُلَّ الحالُ على ترتيبٍ، كقولِكَ: ادْخُلُوا الدارَ رَجُلًا رَجُلًا، وقولِكَ: سارَ الجُنْدُ رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ، تُرِيدُ مُرَتَّبِينَ، وضابطُ هذا النوعِ: أنْ يُذْكَرَ المجموعُ أَوَّلًا ثمَّ يُفَصَّلُ هذا المجموعُ بذِكْرِ بعضِه مُكَرَّرًا، فالمجموعُ في المثالِ الأوَّلِ هو الذي تَدُلُّ الواوُ عليه، وفي المثالِ الثاني هو لفظُ الجُنْدِ، والحالُ عندَ التحقيقِ هو مجموعُ اللفظيْنِ، ولكنَّه لَمَّا تَعَذَّرَ أنْ يكونَ المجموعُ حالًا جُعِلَ كلُّ واحدٍ مِنهما حالًا، كما في الخبرِ المتعدِّدِ بغيرِ عاطفٍ في نحوِ قولِكَ: الرُّمَّانُ حُلْوٌ حَامِضٌ، وذَهَبَ ابنُ جِنِّيٍّ إلى أنَّ الحالَ هو الأوَّلُ، والثاني معطوفٌ عليه بعاطفٍ مقدَّرٍ.

المَوْضِعُ الثاني: أنْ تكونَ الحالُ موصوفةً، نحوُ قولِهِ تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} ، وقولِهِ: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} ، وتُسَمَّى هذه الحالُ: (الحالَ المُوَطِّئَةَ) .

الموضِعُ الثالثُ: أنْ تكونَ الحالُ دَالَّةً على عَدَدٍ، نحوُ قولِهِ تعالى: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} .

الموضِعُ الرابِعُ: أنْ تَدُلَّ الحالُ على طَوْرٍ فيه تَفْصِيلٌ، نحوُ قَوْلِهِم: هذا بُسْرًا أَطْيَبُ مِنه رُطَبًا.

الموضِعُ الخامِسُ: أنْ تكونَ الحالُ نَوْعًا مِن صَاحِبِها، كقولِكَ: هذا مالِكٌ ذَهَبًا، أو تكونَ الحالُ فَرْعًا لِصَاحِبِها؛ كَقَوْلِكَ: هذا حَدِيدُكَ خَاتَمًا، وكقولِهِ تعالَى: {وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا} ، أو تكونَ الحالُ أصلًا لصاحبِها؛ كقولِكَ: هذا خاتَمُكَ حَدِيدًا، وكقولِهِ تعالى: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} .

وقد أَجْمَعَ النُّحَاةُ على أنَّ المَوَاضِعَ الأَرْبَعَةَ الأُولَى - وهي الثلاثةُ التي ذَكَرَهَا الشارِحُ، والمَوْضِعُ الأوَّلُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ - يَجِبُ تَأْوِيلُها بِمُشْتَقٍّ؛ لِيُسْرِ ذلك، وعَدَمِ التكلُّفِ فيه، ثمَّ اخْتَلَفُوا في المواضِعِ الأربعةِ الباقيةِ؛ فذَهَبَ قومٌ مِنهم ابنُ الناظِمِ إلى وُجُوبِ تَأْوِيلِهَا أيضًًاً؛ لِيَكُونَ الحالُ مُشْتَقًّا على ما هو الأصلُ فيها، وذَهَبَ قومٌ إلى أنه لا يَجِبُ تَأْوِيلُها بِمُشْتَقٍّ؛ لأنَّ في تَأْوِيلِها بالمشتقِّ تَكَلُّفًا، وفي ذلك مِن التحكُّمِ ما ليسَ يَخْفَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت