فهرس الكتاب
ومثالُ ما ليسَ بفاعلٍ في المعنى: [1] (زَيْدٌ أَفْضَلُ رَجُلٍ، وهِنْدٌ أَفْضَلُ امْرَأَةٍ) ، فيَجِبُّ جَرُّهُ بالإضافةِ، إلاَّ إذا أُضِيفَ (أَفْعَلُ) إلى غيرِه، فإنَّه يُنْصَبُ حينَئذٍ، نحوُ: (أنتَ أَفْضَلُ الناسِ رَجُلًا) [2] .
وبَعْدَ كُلِّ مَا اقْتَضَى تَعَجُّبَا ... مَيِّزْ كَـ (أَكْرِمْ بِأَبِي بَكْرٍ أَبَا) [3]
يَقَعُ التمييزُ بعدَ كُلِّ ما دَلَّ على تَعَجُّبٍ، نحوُ: (ما أَحْسَنَ زَيْدًا رَجُلًا، وأَكْرِمْ بأبي بَكْرٍ أبًا، ولِلَّهِ دَرُّكَ عالِمًا، وحَسْبُكَ بِزَيْدٍ رَجُلًا، وكَفَى به عالِمًا) [4] .
(1) ضابطُ ما ليسَ بفاعلٍ في المعنى: أنْ يكونَ أفعلُ التفضيلِ بعضًا من جنسِ التمييزِ، ويُعْرَفُ ذلك بصحَّةِ حذفِ أفعلِ التفضيلِ، ووَضْعِ لفظِ (بعضٍ) موضعَه، فنحوُ: (زَيْدٌ أَفْضَلُ رَجُلٍ) تَجِدُ أفعلَ التفضيلِ، وهو أفضلُ، باعتبارِ الفردِ الذي يَتَحَقَّقُ فيه - واحدًا مِن جنسِ الرجُلِ، وكذلك نحوُ: (هِنْدٌ أفضلُ امرأةٍ) نَجِدُ أفعلَ التفضيلِ بعضَ الجنسِ، ويُمْكِنُ أنْ تَحْذِفَ أفعلَ التفضيلِ في المثاليْنِ وتَضَعَ مكانَه لفظَ (بعضٍ) ، فتقولُ: زيدٌ بَعْضُ جِنْسِ الرجلِ؛ أي: بعضُ الرجالِ، وهندٌ بَعْضُ جِنْسِ المرأةِ؛ أي: بعضُ النساءِ.
(2) من تَقْرِيرِ هذه المسألةِ تَعْلَمُ أنَّ تمييزَ أفعلِ التفضيلِ يَجِبُ جَرُّهُ في صورةٍ واحدةٍ، وهي: أنْ يكونَ التمييزُ غيرَ فاعلٍ في المعنى، وأفعلُ التفضيلِ ليسَ مُضافًا لغيرِ تمييزِه، ويجِبُ نصبُه في صورتيْنِ اثنتيْنِ: أُولاهما: أنْ يكونَ التمييزُ فاعلًا في المعنى، سواءٌ أُضِيفَ أفعلُ التفضيلِ إلى غيرِ التمييزِ، نحوُ: أنتَ أَعْلَى الناسِ مَنْزِلًا، أم لم يُضَفْ إلى غيرِ التمييزِ، نحوُ: أنتَ أعلى مَنْزِلًا، وثانيتهما: أنْ يكونَ التمييزُ غيرَ فاعلٍ في المعنى، بشرطِ أنْ يكونَ أفعلُ مُضافًا إلى غيرِ التمييزِ، نحوُ: أنتَ أفضلُ الناسِ بَيْتًا؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ حِينَئِذٍ إضافةُ أفعلِ التفضيلِ مَرَّةً أُخْرَى.
(3) (وبعدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (مَيِّزِ) الآتي، وبعدَ مُضافٌ و (كُلِّ) مُضافٌ إليه، وكلِّ مُضافٌ و (ما) اسمٌ موصولٌ: مُضافٌ إليه، (اقْتَضَى) فِعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى ما الموصولةِ، (تَعَجُّبَا) مفعولٌ به لاقْتَضَى، والجملةُ مِن اقْتَضَى وفاعِلِهِ ومفعولِهِ لا مَحَلَّ لها صلةُ الموصولِ، (مَيِّزْ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (كَأَكْرِمِ) الكافُ جارَّةٌ لقولٍ محذوفٍ، أَكْرِمْ: فِعْلٌ ماضٍ جاءَ على صورةِ الأمرِ، (بِأَبِي) الباءُ زائدةٌ، أبي: فاعلُ أَكْرِمْ، وأبي مُضافٌ و (بكرٍ) مُضافٌ إليه، (أبا) تَمْيِيزٌ.
(4) ذَهَبَ ابنُ هِشَامٍ إلى أنَّ التمييزَ في كُلِّ هذه الأمثلةِ مِن تمييزِ النسبةِ، وليسَ بِسَدِيدٍ، بل في الكلامِ تفصيلٌ، وتَلْخِيصُه أنه إنْ كانَ في الكلامِ ضميرٌ غائبٌ، ولم يُبَيِّنْ مَرْجِعَه، كما في قَوْلِهِم: (لِلَّهِ دَرُّهُ فَارِسًا) كانَ مِن تمييزِ المفردِ؛ لأنَّ افتقارَه إلى بيانِ عَيْنِهِ في هذه الحالِ أشدُّ مِن افتقارِه لبيانِ نِسْبَةِ التعجُّبِ إليه، فإنْ لم يَكُنْ ضميرٌ أصلًا، نحوُ: للهِ دَرُّ زيدٍ فارسًا، أو كانَ ضميرَ خِطابٍ، نحوُ: للهِ دَرُّكَ فارسًا، أو كانَ ضميرَ غائبٍ عُلِمَ مَرْجِعُهُ، نحوُ: زيدٌ للهِ دَرُّهُ فارسًا - فهو من تمييزِ النسبةِ. وتلخيصث هذا أنه يكونُ تمييزَ مفردٍ في صورةٍ واحدةٍ، ويكونُ تَمْيِيزَ نسبةٍ في ثلاثةِ صُوَرٍ.