فهرس الكتاب
يَجُوزُ جَرُّ التمييزِ بمِن إنْ لم يَكُنْ فاعلًا في المعنَى ولا مُمَيِّزًا لعددٍ، فتقولُ: (عندي شِبْرٌ مِن أرضٍ، وقَفِيزٌ مِن بُرٍّ، ومَنَوَانِ مِن عَسَلٍ وتَمْرٍ، وغَرَسْتُ الأرضَ مِن شَجَرٍ) ، ولا تقولُ: (طابَ زيدٌ مِن نَفْسٍ، ولا: عندِي عِشْرُونَ مِن دِرْهَمٍ) .
وعامِلَ التَّمْيِيزِ قَدِّمْ مُطْلَقَا ... والفِعْلُ ذُو التَّصْرِيفِ نَزْرًا سُبِقَا [1]
مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَه اللهُ، أنه لا يَجُوزُ تقديمُ التمييزِ على عامِلِهِ، سواءٌ كانَ مُتَصَرِّفًا أو غيرَ مُتَصَرِّفٍ، فلا تقولُ: نَفْسًا طابَ زيدٌ، ولا: عندَي دِرْهمًا عِشْرُونَ.
وأجازَ الكِسَائِيُّ والمَازِنِيُّ والمُبَرِّدُ تَقْدِيمَه على عاملِهِ المتصرِّفِ، فتقولُ: (نَفْسًا طابَ زَيْدٌ، وشَيْبًا اشْتَعَلَ رَأْسِي) ، ومنه قولُه:
194 -أَتَهْجُرُ لَيْلَى بِالْفِرَاقِ حَبِيبَهَا ... وَمَا كانَ نَفْسًا بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ [2]
(1) (وعامِلَ) مفعولٌ به مُقَدَّمٌ لقولِهِ: (قَدِّمِ) الآتي، وعاملَ مُضافٌ و (التمييزِ) مُضافٌ إليه، (قَدِّمْ) فِعْلُ أَمْرٍ، وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أنتَ، (مُطْلَقَا) منصوبٌ على الحالِ من (عامِلَ التمييزِ) ، (والفعلُ) مبتدأٌ، (ذو) نعتٌ للفعلُ، وذو مُضافٌ، و (التصريفِ) مُضافٌ إليه، (نَزْرًا) حالٌ من الضميرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: (سُبِقَا) الآتي، (سُبِقَا) سُبِقَ: فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ للمجهولِ، ونائبُ الفاعلِ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هو يَعُودُ إلى الفعلُ، والألفُ للإطلاقِ، والجملةُ مِن سُبِقَ ونائبِ فاعلِهِ في مَحَلِّ رفعٍ خَبَرُ المُبْتَدَأِ.
(2) 194 - يُنْسَبُ هذا البيتُ للمُخَبَّلِ السَّعْدِيِّ، وقيلَ: هو لأَعْشَى هَمْدَانَ، وقيلَ: هو لِقَيْسِ بنِ المُلَوَّحِ العامِرِيِّ.
المعنى: ما يَنْبَغِي لِلَيْلَى أنْ تَهْجُرَ مُحِبَّهَا وتَتَبَاعَدَ عنه، وعَهْدِي بها والشأنُ أنَّ نَفْسَهَا لا تَطِيبُ بالفِراقِ ولا تَرْضَى عنه.
الإعرابُ: (أَتَهْجُرُ) الهمزةُ للاستفهامِ الإنكاريِّ، تَهْجُرُ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ، (لَيلَى) فاعلُ تَهْجُرُ، (بالفراقِ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بتَهْجُرُ، (حَبِيبَهَا) حبيبَ: مفعولٌ به لِتَهْجُرُ، وحبيبَ مُضافٌ وها: مُضافٌ إليه، (وما) الواوُ واوُ الحالِ، ما: نافيةٌ، (كانَ) فِعْلٌ ماضٍ ناقِصٌ، واسْمُها ضميرُ الشأنِ، (نَفْسًا) تمييزٌ مُتَقَدِّمٌ على العاملِ فيه، وهو قولُه: (تَطِيبُ) الآتي (بالفراقِ) جارٌّ ومَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِتَطِيبُ، (تَطِيبُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ وفاعِلُهُ ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هي يَعُودُ إلى ليلى، والجملةُ من تَطِيبُ وفاعِلِهِ في مَحَلِّ نصبٍ خبرُ (كانَ) .
الشاهدُ فيه: قولُه: (نَفْسًا) ؛ فإنَّه تمييزٌ، وعامِلُه قولُه: (تَطِيبُ) قد تَقَدَّمَ عليه، والأصلُ (تَطِيبُ نَفْسًا) ، وقد جَوَّزَ ذلك التقدُّمَ الكُوفِيُّونَ والمازنِيُّ والمُبَرِّدُ، وتَبِعَهم ابنُ مالِكٍ في بعضِ كُتُبِهِ، وهو - في هذا البيتِ ونحوِهِ - عندَ الجمهورِ ضرورةٌ، فلا يقاسُ عليه.
وذَهَبَ أبو إسحاقَ الزَّجَّاجُ إلى أنَّ الروايةَ في بيتِ الشاهِدِ:
* وَمَا كانَ نَفْسِي بِالْفِرَاقِ تَطِيبُ *
ونقَلَ أبو الحسنِ أنَّ الروايةَ في ديوانِ الأعشى هكذا:
أَتُؤْذِنُ سَلْمَى بالفِراقِ حَبِيبَها ... ولم تَكُ نَفْسٌ بالفراقِ تَطِيبُ
وعلى هاتيْنِ الروايتيْنِ لا شاهدَ في البيتِ.
وقالَ أبو رَجَاءٍ عفا اللهُ تعالى عنه: (والذي وَجَدْتُهُ في دِيوانِ أَعْشَى هَمْدَانَ روايةَ البيتِ كما رَوَاهُ الشارِحُ وأكثرُ النحاةِ) ففيه الشاهدُ الذي يُسَاقُ من أجلِهِ.