فهرس الكتاب
وفي اسمِ مفعولِ الثلاثيِّ اطَّرَدْ ... زِنةُ مفعولٍ كَآتٍ مِن قَصَدْ [1]
إذا أُريدَ بِناءُ اسمِ المفعولِ مِن الفعْلِ الثُّلاثيِّ جِيءَ به على زِنَةِ"مَفعولٍ"قِياسًا مُطَّرِدًا، نحوُ:"قَصَدْتُه فهو مَقصودٌ، وضَرَبْتُه فهو مَضروبٌ، ومَرَرْتُ به فهو مَمرورٌ به".
ونابَ نَقْلًا عنه ذو فَعيلِ ... نحوُ فَتاةٍ أو فَتًى كَحِيلِ [2]
يَنُوبُ"فَعيلٌ"عن"مَفعولٍ"في الدَّلالَةِ على مَعناهُ، نحوُ:"مَرَرْتُ برَجُلٍ جَريحٍ وامرَأَةٍ جَريحٍ، وفَتاةٍ كَحيلٍ وفتًى كَحِيلٍ، وامرأةٍ قَتيلٍ ورجُلٍ قَتيلٍ"، فنَابَ جَريحٌ وكَحيلٌ وقَتيلٌ عن مَجروحٍ ومَكحولٍ ومَقتولٍ.
ولا يَنقَاسُ ذلك في شيءٍ، بل يُقْتَصَرُ فيه على السَّمَاعِ، وهذا معنَى قولِه: (ونَابَ نَقْلًا عنه ذو فَعِيلِ) .
وزَعَمَ ابنُ الْمُصَنِّفِ أنَّ نِيابَةَ"فَعيلٍ"عن"مَفعولٍ"كثيرةٌ، وليسَتْ مَقِيسَةً بالإجماعِ، وفي دَعواهُ الإجماعَ على ذلك نَظَرٌ؛ فقَدْ قالَ والِدُه في (التَّسهيلِ) في بابِ اسمِ الفاعلِ، عِندَ ذِكْرِه نِيابَةَ فَعيلٍ عن مَفعولٍ: وليسَ مَقِيسًا، خِلافًا لبعضِهم. وقالَ في شرْحِه: وزَعَمَ بعضُهم أنَّه مَقِيسٌ في كلِّ فِعْلٍ ليسَ له فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ؛ كجَريحٍ، فإنْ كانَ للفعْلِ فَعيلٌ بمعنى فاعِلٍ لم يَنُبْ قِياسًا؛ كعَليمٍ. وقالَ في بابِ التذكيرِ والتأنيثِ: وصَوْغُ فَعِيلٍ بمعنى مَفعولٍ، على كَثرتِه، غيرُ مَقِيسٍ. فجَزَمَ بأصَحِّ القَوْلَيْنِ، كما جَزَمَ به هنا، وهذا لا يَقْتَضِي نَفْيَ الخِلافِ، وقد يُعْتَذَرُ عن ابنِ الْمُصنِّفِ بأنَّه ادَّعَى الإجماعَ على أنَّ فَعِيلًا لا يَنُوبُ عن مَفعولٍ، يَعنِي نِيابَةً مُطلَقَةً؛ أيْ: مِن كلِّ فِعْلٍ، وهو كذلك؛ بِناءً على ما ذَكَرَه والدُه في (شرْحِ التسهيلِ) مِن أنَّ القائلَ بقِياسِه يَخُصُّهُ بالفعْلِ الذي ليسَ له فَعيلٌ بمعنى فاعِلٍ [3] .
ونَبَّهَ الْمُصنِّفُ بقولِه: (نحوُ فَتاةٍ أو فَتًى كَحِيلِ) ، على أنَّ فَعِيلًا بمعنَى مَفعولٍ يَستوِي فيه الْمُذَكَّرُ والمؤنَّثُ، وستَأتي هذه الْمَسألةُ مُبَيَّنَةً في بابِ التأنيثِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالَى.
(1) (وفي اسمِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ باطَّرَد الآتي، واسمِ مُضافٌ و (مفعولِ) مُضافٌ إليه، ومفعولِ مُضافٌ و (الثلاثيِّ) مُضافٌ إليه، (اطَّرَدْ) فعْلٌ ماضٍ، (زِنَةُ) فاعلُ اطَّرَدَ، وزِنَةُ مُضافٌ و (مَفعولٍ) مُضافٌ إليه، (كآتٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوفٍ، (مِن قَصَدْ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بآتٍ.
(2) (ونَابَ) فعْلٌ ماضٍ، (نَقْلًا) حالٌ مِن ذو فَعيلٍ الآتي، (عنه) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بنابَ، (ذو) فاعلُ نابَ، وذو مُضافٌ و (فَعيلِ) مُضافٌ إليه، (نحوُ) خبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوفٍ، ونحوُ مُضافٌ و (فَتاةٍ) مُضافٌ إليه، (أو فَتًى) مَعطوفٌ على فتاةٍ، (كَحِيلِ) صِفَةٌ.
(3) خُلاصَةُ هذا الكلامِ أنَّ كُلَّ فعْلٍ مِن الأفعالِ الثلاثيَّةِ سُمِعَ له فَعيلٌ بمعنى فاعِلٍ - مِثلُ عَليمٍ وقَديرٍ ورَحيمٍ - لا يُصاغُ مِن مَصدَرِه فَعيلٌ بمعنى مَفعولٍ؛ لأنَّ وُجودَ صِيغَةٍ واحِدَةٍ بِمَعْنَيَيْنِ مُتقَابِلَيْنِ يُوقِعُ في اللَّبْسِ، وظاهِرُ كلامِ ابنِ مالِكٍ أنَّ هذا مِمَّا أَجْمَعَ النُّحاةُ عليه، فإنْ لم يَكُنْ قد سُمِعَ للفعْلِ الثلاثيِّ وَصْفٌ على فَعيلٍ بمعنى فاعِلٍ فقَدِ اختَلَفَ النُّحاةُ فيه: فقِيلَ: يَجوزُ أنْ يُشْتَقَّ له فَعيلٌ بمعنى مَفعولٍ، وقِيلَ: لا يَجوزُ، ويُقْتَصَرُ فيه على ما وَرَدَ به السَّمَاعُ.