الصفحة 537 من 811

الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ باسمِ الفاعِلِ

صِفةٌ استُحْسِنَ جَرُّ فاعِلِ ... معنًى بها المُشْبِهَةُ اسمَ الفاعلِ [1]

قد سَبَقَ أنَّ المرادَ بالصِّفَةِ ما دَلَّ على معنًى وذاتٍ، وهذا يَشْمَلُ اسمَ الفاعِلِ واسمَ المفعولِ وأفعَلَ التفضيلِ والصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ.

وذَكَرَ الْمُصنِّفُ أنَّ عَلاَمَةَ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ [2] استِحسانُ جَرِّ فاعِلِها بها، نحوُ:"حسَنُ الوَجْهِ، ومُنطَلِقُ اللسانِ، وطاهِرُ القَلْبِ".

والأصْلُ: حسَنٌ وَجْهُه، ومُنطَلِقٌ لِسانُه، وطَاهِرٌ قَلْبُه، فوَجْهُه مرفوعٌ بِحَسَنٌ على الفاعليَّةِ، ولِسانُه مَرفوعٌ بِمُنطَلِقٍ، وقلْبُه مَرفوعٌ بطاهِرٍ، وهذا لا يَجُوزُ في غيرِها مِن الصِّفاتِ.

فلا تَقولُ:"زَيدٌ ضارِبُ الأبِ عَمْرًا"، تُريدُ: ضارِبٌ أَبوهُ عَمْرًا، ولا"زَيْدٌ قائمُ الأبِ غَدًا"تُريدُ: زيدٌ قائمٌ أَبوهُ غَدًا، وقد تَقَدَّمَ أنَّ اسمَ المفعولِ يَجُوزُ إضافتُه إلى مَرفوعِه، فتَقولُ:"زَيْدٌ مَضروبُ الأبِ"، وهو حينَئذٍ جَارٍ مَجْرَى الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ.

وصَوْغُها مِن لازِمٍ لِحَاضِرِ ... كطاهِرِ القلبِ جميلِ الظاهِرِ [3]

يَعنِي: أنَّ الصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ لا تُصاغُ مِن فِعْلٍ متَعَدٍّ، فلا تَقولُ:"زَيْدٌ قاتِلُ الأبِ بَكْرًا"تُريدُ: قاتِلٌ أَبوه بَكرًا، بل لا تُصاغُ إلاَّ مِن فِعْلٍ لازِمٍ، نحوُ:"طاهِرُ القلْبِ، وجَميلُ الظاهِرِ"، ولا تَكُونُ إلاَّ للحالِ، وهو المرادُ بقَولِه:"لِحَاضِرٍ"، فلا تَقولُ:"زَيدٌ حَسَنُ الوجْهِ غَدًا أو أَمْسِ"، ونَبَّه بقولِه: (كطاهِرِ القلْبِ جَميلِ الظاهِرِ) على أنَّ الصفةَ الْمُشَبَّهَةَ إذا كانَتْ مِن فِعْلٍ ثُلاثيٍّ تَكونُ على نَوعينِ:

(1) (صِفَةٌ) خبَرٌ مقَدَّمٌ، (استُحْسِنَ) فعْلٌ ماضٍ مبنى مَبْنِيٌّ للمَجهولِ، (جَرُّ) نائبُ فاعلِ استُحْسِنَ، وجَرُّ مُضافٌ و (فاعلِ) مُضافٌ إليه، والجُملَةُ في مِن الفعْلِ ونائِبِ الفاعِلِ في مَحَلِّ رفْعٍ نعْتٌ لصِفَةٌ، (معنيمعنًى) تَمييزٌ، أو مَنصوبٌ بنَزْعِ الخافِضِ، (بها) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بِجَرُّ، (الْمُشْبِهَةُ) مُبْتَدَأٌ مؤَخَّرٌ، وفيه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فاعلٌ، (اسمَ) مفعولٌ به للمُشْبِهَةُ، واسمَ مُضافٌ و (الفاعلِ) مُضافٌ إليه.

(2) أَشْبَهَتِ الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ اسمَ الفاعِلِ مِن وَجهينِ:

الأوَّلُ: أنَّ كُلاًّ مِنهما يَدُلُّ على الْحَدَثِ ومَن قامَ به، والثاني: أنَّ كُلاًّ منهما يَقْبَلُ التذكيرَ والتأنيثَ والإفرادَ والتثنيةَ والجمْعَ، ولَمَّا كانَتِ الصفَةُ الْمُشَبَّهَةُ لا تَدُلُّ على الحدوثِ الذي يَدُلُّ عليه اسمُ الفاعِلِ خالَفَتْهُ نَوْعَ مُخَالَفَةٍ في أحَدِ الوَجهينِ؛ فلذلك انْحَطَّتْ عنه في العمَلِ؛ ولهذا لَمَّا خالَفَ أفْعَلُ التفضيلِ اسمَ الفاعِلِ في الوَجهينِ جَميعًا - فإنه يَدُلُّ على المشارَكَةِ والزيادةِ لا على الحدَثِ، ولا يَقْبَلُ التأنيثَ والتثنيةَ والجمْعَ - لم يَعْمَلِ النَّصْبَ أَصْلًا.

(3) (صَوْغُها) صَوْغُ: يَجوزُ أنْ يكونَ مَعطوفًا على (جَرُّ) الواقعِ نائِبَ فاعِلٍ في البيتِ السابِقِ؛ أيْ: واستُحْسِنَ صَوْغُها ... إلخ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ مُبْتَدَأً خَبَرُه مَحذوفٌ؛ أيْ: وصَوْغُها واجبٌ مِن لازِمٍ ... إلخ، كذا قالوا مُقْتَصِرينَ على هَذينِ الوَجهينِ، ويَجُوزُ عندى عِندِي أنْ يَكونَ قولُه: (صَوْغُها) مُبتَدَأً، وقوله (قولُه:(مِن لازِمٍ) متَعَلِّقًا بمحذوفٍ خَبَرٌ، وصَوْغُ مُضافٌ وضميرُ الغائِبَةِ العائدُ إلى الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ مُضافٌ إليه، (مِن لازِمٍ لحاضِرِ) جارَّانِ ومَجروروانِ متَعَلِّقانِ بصَوْغٍ مِن (صَوْغُها) السابِقِ على الوَجهينِ الأَوَّلَينِ، (كطاهِرِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ خبَرُ مُبْتَدَأٍ محذوفٍ، وطاهِرِ مُضافٌ و (القلْبِ) مُضافٌ إليه، (جَميلِ) مَعطوفٌ على طاهِرِ بعطْفٍ مُقَدَّرٍ، وجَميلِ مُضافٌ و (الظاهِرِة) مُضافٌ إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت