الصفحة 543 من 811

يَجوزُ حذْفُ الْمُتَعَجَّبِ منه، وهو الْمَنصوبُ بعْدَ أفعَلَ، والمجرورُ بالباءِ بعْدَ أفْعَلَ إذا دَلَّ عليه دَليلٌ، فمِثالُ الأوَّلِ قولُه:

269 -أَرَى أُمَّ عَمْرٍو دَمْعُها قَدْ تَحَدَّرَا بُكاءً على عَمْرٍو وما كانَ أَصْبَرَا [1]

التقديرُ: وما كانَ أصْبَرَها، فحُذِفَ الضميرُ، وهو مَفعولُ أَفْعَلَ؛ للدَّلالَةِ عليه بما تَقَدَّمَ، ومِثالُ الثاني قولُه تعالَى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} . التقديرُ واللهُ أعْلَمُ: وأَبْصِرْ بهم، فحُذِفَ بهم؛ لدَلالَةِ ما قَبْلَه عليه، وقولُ الشاعِرِ:

270 -فذَلِكَ إنْ يَلْقَ الْمَنِيَّةَ يَلْقَهَا حَمِيدًا وإنْ يَسْتَغْنِ يَومًا فأَجْدِرِ [2]

(1) 269 - البيتُ لأمرى لامْرِئِ القَيْسِ بنِ حُجْرٍ الكندىلكِنْدِيِّ.

اللُّغَةُ: (أمَّ عَمرٍو) يُريدُ به عَمرَو بنَ قَمِيئَةَ اليشكرى اليَشْكُرِيَّ، صاحبَه في سفَرِه إلى قَيْصَرِ الرومِ، (تَحَدَّرَا) انْصَبَّ وانسَكَبَ.

المعنى: يَقولُ: إنَّ عهدى عَهْدِي بأمِّ عمرٍو أنْ أَراها صابِرَةً مُتَجَلِّدَةً، فما بالُها اليومَ قد كَثُرَ بُكاؤُها على عَمرٍو؟

الإعرابُ: (أَرَى) فعْلٌ مُضارِعٌ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقديرُه أنا، (أمَّ) مفعولٌ به لأَرَى، وأُمَّ مُضافٌ و (عمرٍو) مُضافٌ إليه، (دَمْعُها) دمْعُ: مُبتَدَأٌ، ودمْعُ مُضافٌ و (ها) مُضافٌ إليه، والجُملَةُ مِن (تَحَدَّرَا) وفاعِلِهِ المستَتِرِ فيه في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ المبتَدَأِ، وجملةُ المبتدَأِ وخبَرِه في مَحَلِّ نصْبٍ حالٌ مِن أُمَّ عمرٍو؛ لأنَّ (أَرَى) هنا بَصَرِيَّةٌ فلا تَحتاجُ لمفعولٍ ثانٍ، (بُكاءً) مفعولٌ لأجْلِه، (على عمرٍو) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ ببُكاءً، (وما) تَعَجُّبِيَّةٌ مُبتَدَأٌ، (كانَ) زائِدَةٌ، (أَصْبَرَا) فعْلٌ ماضٍ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه وُجُوبًا تَقديرُه هو، يَعودُ على ما التَّعجُّبِيَّةِ، والمفعولُ محذوفٌ؛ أيْ: أَصْبَرَهَا، والجُملَةُ في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ المبتَدَأِ، وهو ما التَّعجُّبِيَّةُ.

الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(وما كانَ أَصْبَرَا) ؛ حيثُ حَذَفَ الْمُتَعَجَّبَ منه، وهو الضميرُ المنصوبُ الذي يَقَعُ مَفعولًا به لفعْلِ التَّعَجُّبِ كما قَدَّرْنَاهُ.

ومِثلُ هذا البيتِ ما يُنسَبُ إلى أبي السِّبْطَيْنِ على عليِّ بنِ أبي طالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ:

جَزَى اللهُ قَومًا قاتَلُوا في لِقَائِهِم ... لدَى الرَّوْعِ قَوْمًا ما أعَزَّ وأَكْرَمَا

يُرِيدُ: ما أَعَزَّهُم وأَكْرَمَهم، فحَذَفَ الضَّميرينِ.

(2) 270 - البيتُ لِعُرْوَةَ بنِ الوَرْدِ، الْمُلَقَّبِ بِعُرْوَةِ الصَّعَالِيكِ.

المعنى: هذا الفَقيرُ - الذي وَصَفَه في أبياتٍ سابقةٍ - إذا صادَفَ الموتَ صادَفَه مَحمودًا، وإنْ يَستَغْنِ يَومًا فما أَحَقَّه بالغِنَى، وما أَجْدَرَه باليَسارِ.

الإعرابُ: (فذَلِكَ) اسمُ الإشارةِ مُبتَدَأٌ، واللامُ للدَّلالةِ على بُعْدِ الْمُشارِ إليه، والكافُ حرْفٌ يَدُلُّ على الْخِطابِ، (إنْ) شَرطيَّةٌ، (يَلْقَ) فعْلٌ مُضارِعٌ فعْلُ الشرْطِ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ فيه، (الْمَنِيَّةَ) مفعولٌ به لِيَلْقَ، (يَلْقَهَا) يَلْقَ: فعْلٌ مُضارِعٌ، جوابُ الشَّرْطِ، وفيه ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ جَوازًا تَقديرُه هو فاعِلٌ، وها: مفعولٌ به، وجملةُ الشرْطِ وجوابِه في مَحَلِّ رفْعٍ خبَرُ المبتَدَأِ، (حَمِيدًا) حالٌ مِن فاعِلِ (يَلْقَ) المستَتِرِ فيه، (وإنْ) شَرطيَّةٌ، (يَسْتَغْنِ) فعْلٌ مُضارِعٌ، فعْلُ الشرْطِ، وفاعِلُه ضَمِيرٌ مُستَتِرٌ فيه جَوَازًا تَقديرُه هو، (يَومًا) ظرْفُ زمانٍ مُتَعَلِّقٌ بيَسْتَغْنِ، (فأَجْدِرِ) الفاءُ لربْطِ الجوابِ بالشرْطِ، أجْدِرِ: فعْلٌ ماضٍ جاءَ على صُورةِ الأمْرِ، وقد حُذِفَ فاعلُه والباءُ التي تَدخُلُ عليه، والأصْلُ: فأَجْدِرْ به، والجُملَةُ في مَحَلِّ جزْمٍ جوابُ الشَّرْطِ.

الشاهِدُ فيه: قوله (قولُه:(فأَجْدِرِ) ؛ حيثُ حَذَفَ الْمُتَعَجَّبَ منه، وهو فاعِلُ (أَجْدِرِ) كما أَوْضَحْنَاهُ في الإعرابِ.

واعْلَمْ أنَّ الحَذْفَ إنما يَكْثُرُ إذا كانَ (أفْعِلْ) مَعطوفًا على مِثْلِهِ قد ذُكِرَ معَه الْمُتَعَجَّبُ منه، نحوُ قولِه تعالَى: {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} ؛ أي: بهم، أمَّا في مِثْلِ هذا البيتِ فالحذْفُ شاذٌّ؛ لِعَدَمِ وُجودِ المعطوفِ عليه المشتَمِلِ على مِثْلِ المحذوفِ.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرْناهُ - مِن أنَّه يَكثُرُ حذْفُ الْمُتَعَجَّبِ منه في صِيغةِ (أَفْعِلْ به) إذا كانَ قد عُطِفَ على مُمَاثِلٍ مُشتَمِلٍ على مِثلِ المحذوفِ - هو رأى رَأْيُ جَماعةٍ مِن النُّحاةِ، وهؤلاءِ يَخُصُّون الدليلَ الدالَّ على المحذوفِ بالمعطوفِ عليه، بالشرْطِ المذكورِ، ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ العِبْرَةَ بوُضوحِ الْمَقْصِدِ، سواءً أكانَ بالعطْفِ أمْ بغَيرِه، وعلى هذا لا يكونُ الحذْفُ مِن بيتِ الشاهِدِ شَاذًّا، فاعْرِفْ ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت