فهرس الكتاب
وبأُولَى أَشِرْ لِجَمْعٍ مُطْلَقَا ... والمَدُّ أَوْلَى وَلَدَى البُعْدِ انْطِقَا [1]
بالكافِ حرفًا دُونَ لامٍ أوْ مَعَهْ واللامُ إنْ قَدَّمْتَ هَا مُمْتَنِعَهْ [2]
يُشارُ إلى الجمعِ مذكَّرًا كانَ أو مُؤَنَّثًا بـ (أُولَى) ؛ ولهذا قالَ المصنِّفُ: (أَشِرْ لِجَمْعٍ مُطْلَقَا) ، ومُقْتَضَى هذا أنه يُشارُ بها إلى العقلاءِ وغيرِهم، وهو كذلكَ، ولكِنَّ الأكثرَ اسْتِعْمَالُها في العاقلِ، ومِن وُرُودِها في غيرِ العاقلِ قولُه:
23 -ذُمَّ المَنَازِلَ بَعْدَ مَنْزِلَةِ اللِّوَى ... والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأَيَّامِ [3]
(1) (وَبِأُولَى) الواوُ عاطفةٌ، والباءُ حرفُ جرٍّ، و (أُولَى) مجرورُ المَحَلِّ بالباءِ، والجارُّ والمجرورُ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (أَشِر) الآتِي، (أَشِرْ) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (لِجَمْعٍ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: (أَشِر) السابقِ، (مُطْلَقَا) حالٌ مِن قولِهِ: (جَمْعٍ) ، (والمَدُّ) مبتدأٌ، (أَوْلَى) خبرُه، (وَلَدَى) الواوُ عاطفةٌ، لَدَى: ظرفٌ بمعنى عندَ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: انْطِق الآتِي، ولَدَى مضافٌ و (البُعْدِ) مضافٌ إليه، (انْطِقَا) فعلُ أمرٍ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، والألفُ للإطلاقِ، ويَجُوزُ أنْ تكونَ الألفُ مُبْدَلَةً من نونِ التوكيدِ الخفيفةِ للوقفِ، وهذا أَوْلَى وأقربُ.
(2) (بالكافِ) جارٌّ ومجرورٌ مُتَعَلِّقٌ بقولِه: انْطِق في البيتِ السابقِ، (حَرْفًا) حالٌ مِن (الكافِ) ، (دُونَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ ثانٍ مِن (الكافِ) ، ودونَ مضافٌ و (لامٍ) مضافٌ إليه، (أو) حرفُ عطفٍ، (مَعَهْ) معَ: ظرفٌ معطوفٌ على الظرفِ الواقعِ مُتَعَلِّقُه حالًا وهو دونَ، ومعَ مضافٌ والهاءُ ضميرُ الغائبِ مضافٌ إليه، (واللامُ) مبتدأٌ، (إنْ) حرفُ شرطٍ، (قَدَّمْتَ) قَدَّم: فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ على الفتحِ المقدَّرِ في محلِّ جزمٍ على أنه فعلُ الشرطِ، وتاءُ المخاطَبِ فاعلُه، و (ها) مفعولٌ به لقَدَّم، (مُمْتَنِعَهْ) خبرُ المبتدأِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ دَلَّ عليه المبتدأُ وخبرُه، والتقديرُ: واللامُ مُمْتَنِعَةٌ إنْ قَدَّمْتَ (ها) ، فاللامُ مُمْتَنِعَةٌ، وجملةُ الشرطِ وجوابِه لا مَحَلَّ لها؛ لأنَّها مُعْتَرِضَةٌ بينَ المبتدأِ وخبرِه.
(3) البيتُ لجَرِيرِ بنِ عَطِيَّةَ بنِ الخَطَفِيِّ، مِن كَلِمَةٍ له يَهْجُو فيها الفَرَزْدَقَ، وقبلَه - وهو المَطْلَعُ - قولُه:
سَرَتِ الهُمُومُ فبِتْنَ غَيْرَ نِيَامِ ... وأخو الهمومِ يَرُومُ كلَّ مَرَامِ
اللغةُ: (ذُمَّ) فعلُ أمرٍ مِن الذَّمِّ، ويَجُوزُ لكَ في الميمِ تحريكُها بإحدَى الحركاتِ الثلاثِ: الكسرِ؛ لأنَّه الأصلُ في التخلُّصِ مِن الْتِقَاءِ الساكنيْنِ، فهو مبنيٌّ على السكونِ وحُرِّكَ بالكسرِ للتخلُّصِ من الْتِقَاءِ الساكنيْنِ، والفتحِ للتخفيفِ؛ لأنَّ الفتحةَ أخفُّ الحركاتِ، وهذه لغةُ بَنِي أَسَدٍ، والضمِّ؛ لإتباعِ حركةِ الدالِ، وهذا الوجهُ أضعفُ الوجوهِ الثلاثةِ، (المَنَازِلَ) جمعُ منزلٍ، أو مَنْزِلَةٍ، وهو مَحَلُّ النزولِ، وكونُه ههنا جمعَ منزلةٍ أَوْلَى؛ لأنَّه يقولُ فيما بعدُ: (مَنْزِلَةِ اللِّوَى) واللِّوَى ـ بكسرِ اللامِ مقصورًا ـ موضِعٌ بعينِه، (العيشَ) أرادَ به الحياةَ.
المعنى: ذُمَّ كلَّ موضعٍ تَنْزِلُ فيه بعدَ هذا الموضِعِ الذي لَقِيتَ فيه أنواعَ المَسَرَّةِ، وذُمَّ أيامَ الحياةِ التي تَقْضِيهَا بعدَ هذه الأيامِ التي قَضَيْتَها هناكَ في هَنَاءَةٍ وغِبْطَةٍ.
الإعرابُ: (ذُمَّ) فعلُ أمرٍ، مبنيٌّ على السكونِ لا مَحَلَّ له مِن الإعرابِ، وهو مفتوحُ الآخِرِ للخِفَّةِ، أو مكسورُه على الأصلِ في التخلُّصِ من الْتِقَاءِ الساكنيْنِ، أو مضمومُه للإتباعِ، وفاعلُه ضميرٌ مُسْتَتِرٌ فيه وجوبًا تقديرُه أنتَ، (المنازِلَ) مفعولٌ به لذُمَّ، (بعدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ مِن المنازِلِ، وبعدَ مضافٌ و (مَنْزِلَةِ) مضافٌ إليه، ومَنْزِلَةِ مضافٌ و (اللِّوَى) مضافٌ إليه، (وَالْعَيْشَ) الواوُ عاطفةٌ، والعَيْشَ: معطوفٌ على (المنازِلَ) ، (بعدَ) ظرفٌ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ حالٍ مِن (العيشَ) ، وبعدَ مضافٌ وأُولاَءِ مِن (أُولَئِكَ) مضافٌ إليه، والكافُ حرفُ خطابٍ، (الأَيَّامِ) بَدَلٌ من اسمِ الإشارةِ أو عطفُ بيانٍ عليه.
الشاهدُ فيه: قولُه: (أُولَئِكَ) حيثُ أشارَ به إلى غيرِ العقلاءِ، وهي (الأيامُ) ، ومثلُه في ذلك قولُ اللهِ تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} .
وقد ذَكَرَ ابنُ هِشامٍ عن ابنِ عَطِيَّةَ أنَّ الروايةَ الصحيحةَ في بيتِ الشاهدِ:
* والعَيْشَ بعدَ أُولَئِكَ الأَقْوَامِ *
وهذه هي روايةُ النقائضِ بينَ جَرِيرٍ والفَرَزْدَقِ، وعلى ذلكَ لا يكونُ في البيتِ شاهدٌ؛ لأنَّ الأقوامَ عُقَلاَءُ، والخَطْبُ في ذلك سَهْلٌ؛ لأنَّ الآيةَ الكريمةَ التي تَلَوْنَاهَا كافيةٌ أعظمَ الكفايةِ للاستشهادِ بها على جوازِ الإشارةِ بأُولاءِ إلى الجمعِ من غيرِ العقلاءِ.