(والْكُفَّارُ مُخاطَبونَ بفُروعِ الشريعةِ، وبما لا تَصِحُّ إلَّا بهِ، وهوَ الإسلامُ؛ لقولِهِ تعالى [حِكايَةً عن الكُفَّارِ] : {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ(42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} ).
اختلَفَ الأُصُولِيُّونَ في خِطابِ الكُفَّارِ بفروعِ الشرائعِ على مَذاهبَ:
أحدُها، ويُعزَى إلى الحنفيَّةِ: أنَّهُم غيرُ مُخَاطَبِينَ.
والْمَذهبُ الثاني، ويُعزَى إلى الشافعيَّةِ: أنَّهُم مُخاطَبونَ.
والْمَذهبُ الثالثُ: أنَّهُم يَدخلونَ في الخطابِ بالْمَنهيَّاتِ دُونَ المأموراتِ. قالَ ابنُ بَرْهَانٍ: في تَرجمةِ هذهِ المسألةِ نَظَرٌ؛ فإنَّ قولَهم: الكُفَّارُ مُخاطَبونَ بالفروعِ، يُوهِمُ تَوَجُّهَ الأمرِ على الكافرِ بالصلاةِ، وهوَ مَنْهِيٌّ عنها، فلا يَصِحُّ أنْ يكونَ مُخاطبًا بها. واختارَ في العبارةِ عنْ هذهِ المسألةِ أنْ يُقالَ: يَجوزُ خِطابُ الكُفَّارِ بالتوَصُّلِ إلى فروعِ الإسلامِ. وحُجَّةُ كلِّ واحدٍ مِن الْمَذاهبِ الثلاثةِ: أمَّا مَنْ قال: لَيْسُوا مُخاطَبينَ بالفروعِ، فاحْتَجَّ بأنَّ الكافرَ لوْ خُوطِبَ بالفروعِ، فإمَّا أنْ يُخاطَبَ بها قبلَ الإسلامِ، وذلكَ مُحالٌ؛ فإنَّ العِبادةَ لا تَصِحُّ مِن الكافرِ. وإمَّا أن يُخاطَبَ بها بعدَ الإسلامِ، وذلكَ باطلٌ بالإجماعِ؛ فإنَّ الكافرَ لا يُؤاخَذُ بما فاتَهُ فِي حالِ كُفْرِهِ مِنْ شرائعِ الإسلامِ. وفي هذا الكلامِ خُروجٌ عنْ مَحَلِّ الْخِلافِ، فإنَّ الأمرَ بالتَّدَارُكِ بعدَ الإسلامِ مُنْتَفٍ بلا خِلافٍ، وصِحَّةُ العِباداتِ معَ الكفْرِ كذلكَ، وإنَّما المُخْتَلَفُ فيهِ أنَّ الكافرَ في الآخِرةِ هلْ يُعاقَبُ على تَرْكِهِ الشرائعَ كما يُعاقَبُ على تَرْكِهِ أصْلَ الدِّينِ، أمْ لا. وعلى هذا، فهذهِ المسألةُ بالكلامِ أَوْلَى منها بأُصُولِ الفِقْهِ؛ فإنَّ حاصلَ الخِلافِ فيها يَرْجِعُ إلى أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بحالِ الْمَعادِ لا بهذهِ الدارِ، فلا تَعَلُّقَ لها بالفروعِ.
ومَنْ قالَ: إنَّهُم مُخاطَبونَ، احْتَجَّ بأنَّ مَناطَ التكليفِ العقلُ، وهوَ مُتَحَقِّقٌ في الكُفَّارِ. وقولُ المُخَالِفِ: (يَستحيلُ خِطابُ الكافرِ بالصلاةِ حالَ كُفْرِهِ) ، عنهُ جوابانِ:
أحدُهما: ما قَدَّمْنَاهُ مِنْ تحقيقِ مَحَلِّ الخِلافِ، ولا تَعليقَ لهُ بما ذُكِرَ مِن الْمُحالِ.
والثاني: أنَّ معنى خِطابِ الكافرِ بالصلاةِ أَمْرُهُ بتقديمِ الإسلامِ عليها ثُمَّ بها، وهذا لا استحالةَ فيهِ؛ بدليلِ اتِّفاقِ العُلماءِ مِن المتكلِّمينَ وغيرِهم سوى أبي هاشمٍ على أنَّ الْمُحْدِثَ مَأْمُورٌ بالصلاةِ، معَ استحالةِ صِحَّةِ الصلاةِ معَ الحدَثِ مِنْ غيرِ عُذْرٍ، ومعنى ذلكَ أنَّهُ مأمورٌ بتقديمِ الطهارةِ ثمَّ بالصلاةِ، فكذلكَ الكافرُ. ومِنْ دليلِ هذا الْمَذْهَبِ: ما قالَ اللَّهُ في الكتابِ العزيزِ مِنْ قولِهِ تعالى حكايَةً عن الكُفَّارِ في جوابِ سُؤَالِهم: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} ؛ أيْ: سَلَكَنا في سَقَرَ كَوْنُنا غيرَ مُصَلِّينَ. وهذا يَقتضِي تَرَتُّبَ العِقابِ على تَرْكِ الصلاةِ. فإنْ قيلَ: المرادُ بالْمُصَلِّينَ: المُسْلِمُونَ، وهذا مَجازٌ شائعٌ، يُقالُ: فلانٌ مِنْ أهلِ الصلاةِ، ويُرادُ: مِن المسلمين، ويُقالُ: اتَّفَقَ أهلُ الصلاةِ على كذا، كما يُقالُ اتَّفَقَ أهلُ القِبلةِ. قيلَ: هذا مَجازٌ يَمْنَعُ منهُ رُجحانُ الحمْلِ على الحقيقةِ. وأيضًا فقولُهُ تعالى: {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} ، يَقتضِي تَرتيبَ العِقابِ على جميعِ هذهِ الخِصالِ المذكورةِ، وإطعامُ المسكينَ يَتعَيَّنُ حَمْلُهُ على الزكاةِ؛ فإنَّها الواجبُ في المالِ مِن الإطعامِ. وفي هذهِ الآياتِ ما يَقْتَضِي أنَّهُم يَدْخُلونَ في خِطابِ المأموراتِ وخِطابِ الْمَنْهِيَّاتِ؛ لأنَّ الصلاةَ والإطعامَ مِنْ بابِ المأموراتِ، والخوضَ معَ الخائضينَ مِنْ بابِ الْمَنْهِيَّاتِ.
ومَنْ قالَ بالْمَذهبِ الثالثِ: وهوَ دُخُولُهم في الْمَنْهِيَّاتِ فحَسْبُ، احْتَجَّ بأنَّ المأموراتِ يَستحيلُ صُدُورُها مِن الكافرِ معَ الكُفْرِ، بخِلافِ الْمَنْهِيَّاتِ؛ فإنَّهُ يُتَصَوَّرُ مِن الكافرِ الامتثالُ فيها معَ الكُفْرِ.
(والأمرُ بالشيءِ نَهْيٌ عنْ ضِدِّهِ، والنهيُ [عن الشيءِ] أَمْرٌ بِضِدِّهِ) .