الصفحة 18 من 53

وكذلكَ النهيُ عن البيعِ على بَيْعِ أخيهِ، المقصودُ منهُ النهيُ عنْ ما يُفْسِدُ قلبَ أخيهِ ويُوجِبُ العداوةَ بينَهما، وذلكَ أَعَمُّ مِن البيعِ، وخَصَّ البيعَ بالذكْرِ لأحَدِ المعنييْنِ المذكورَيْنِ في البيعِ وقتَ النداءِ، إمَّا غَلبةُ ذلكَ عندَهم، وإما اتِّفاقُ عَداوةٍ واختلافٌ عن البيعِ على البيعِ، فجاءَ النهيُ على ذلكَ السببِ.

وكذلكَ النهيُ عنْ بيعِ الحاضرِ للبادِي ليسَ لخصوصِ البيعِ، بلْ لأنَّ ذلكَ كانَ يُضَيِّقُ على أهلِ المدينةِ ويُغَلِّي السعرَ عليهم، ولوْ كانَ النهيُ في هذهِ الصوَرِ يَرجِعُ إلى خُصوصِ البيعِ لأفادَ الفسادَ، ألا ترى أنَّ النهيَ عنْ بيعِ الْمَلاقيحِ -وهوَ بيعُ ما في أَرْحَامِ الإناثِ- والنهيَ عنْ بيعِ الْمَضامينِ -وهوَ ما في أَصْلابِ الفُحولِ- والنهيَ عنْ بيعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ -وهوَ بيعُ وَلَدِ الولدِ في قولٍ، والبيعُ المُؤَجَّلُ بنِتَاجِ النِّتَاجِ في قولٍ- كلُّ ذلكَ أفادَ الفَسادَ.

(وتَرِدُ صيغةُ الأمرِ والمرادُ بها: الإباحةُ أو التهديدُ أو التسويَةُ أو التكوينُ) .

والقصْدُ بيانُ وُرودِ صِيغةِ الأمرِ بمعنى غيرِ الإيجابِ. وفائدةُ الفقيهِ في مَعْرِفةِ ذلكَ تَنزيلُ ما لمْ يُحْمَلْ مِن الأوامرِ على الإيجابِ على وَجْهٍ مِن الوُجوهِ المُغَايِرةِ للإيجابِ.

ويُذَكَّرُ الضميرُ في (بِه) لِرَدِّهِ إلى (الأمْرِ) ، ويَجوزُ تأنيثُهُ ردًّا إلى (الصيغةِ) .

وكان يَنبغِي أنْ يَذْكُرَ وُرودَ الأمرِ للندْبِ؛ فإنَّهُ مِن الْمَحَامِلِ المشهورةِ، ولكنَّهُ اكْتَفَى بما تَقدَّمَت الإشارةُ إليهِ مِنْ بيانِ الواجبِ والمندوبِ.

ومِنْ وُرودِ صِيغةِ الأمْرِ للإباحةِ قولُهُ تعالى: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} ، وقولُهُ تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ، وقولُهُ تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} .

ومِنْ وُرودِ صِيغةِ الأمرِ للتهديدِ قولُهُ تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} .

وللتسويَةِ قولُهُ: أَرْعِدْ وأَبْرِقْ يا زَيدُ [1] ، وقولُهُ تعالى: {فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا} ، وأمَّا وُرودُ صيغةِ الأمرِ بمعنى التكوينِ، ففي قولِهِ تعالى: {كُونُوا قِرَدَةً} ، وقولِهِ تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} .

(وأمَّا العامُّ: فهوَ ما عَمَّ شيئيْنِ فصاعدًا مِنْ قولِهِ: عَمَمْتُ زيدًا وعَمْرًا بالعطاءِ، وعَمَمْتُ جميعَ الناسِ بالعَطاءِ، وألفاظُهُ أَربعةٌ: الاسمُ الواحدُ المعرَّفُ بالألِفِ واللامِ، واسمُ الجمْعِ الْمُعَرَّفُ [بالألِفِ] واللامِ، والأسماءُ الْمُبْهَمَةُ كَـ(مَن) فيمَنْ يَعْقِلُ، و (ما) فيما لا يَعْقِلُ، و (أيٌّ) في الجميعِ، و (أينَ) في المكانِ، و (متى) في الزمانِ، و (ما) في الاستفهامِ والخبرِ والجزاءِ وغيرِهِ، و (لا) في النَّكِراتِ، كقولِكَ: لا رَجُلَ في الدارِ).

أصْلُ العمومِ في اللغةِ: الكثرةُ، يُقالُ: عَمَّ الجرادُ البلادَ؛ أيْ: كَثُرَ.

واللفظُ العامُّ لَمَّا كَثُرَت الأفرادُ التي دَلَّ عليها سُمِّيَ عامًّا، وهذا معنى قولِهِ: (مِنْ قولِهِ: عَمَمْتُ زيدًا وعَمْرًا بالعطاءِ، وعَمَمْتُ جَميعَ الناسِ بالعطاءِ) ؛ فإنَّ معنى ذلكَ الكثرةُ، وهذهِ العِبارةُ هيَ الصوابُ.

وفي بعضِ النُّسَخِ: (مِثلُ قولِهِ: عَمَمْتُ زيدًا وعَمْرًا) ، ولا يَصِحُّ ذلكَ؛ لأنَّ قولَهُ: عَمَمْتُ زيدًا وعَمْرًا، ليسَ مِن العُمُومِ الذي يُريدُ بيانَهُ.

(1) ظاهرُ الكلامِ أنَّهُ بَيْتُ الكُمَيْتِ المعروفُ:

أَرْعِدْ وَأَبْرِقْ يَا يَزِيـ ... دُ فَمَا وَعِيدُكَ لِي بِضَائِرِ

انظرْ لسانَ العربِ لابنِ منظور، مادَّةَ: رعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت