الصفحة 2 من 53

بِسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ

وبِهِ نَستعينُ

الحمدُ للَّهِ كما يَلِيقُ بكمالِ وَجهِهِ وعِزِّ جَلالِهِ، لا إلهَ إلَّا اللَّهُ عُدَّةٌ للقائِهِ. أمَّا بَعْدُ، حمدًا للَّهِ سبحانَهُ، والصلاةُ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فإنَّهُ تَوَجَّهَتْ إِلَيَّ إشارةٌ كريمةٌ أَمْرُها حُكْمٌ، وطاعَتُها غُنْمٌ، بتَعليقٍ على كتابِ الوَرَقاتِ في أُصُولِ الفِقْهِ، المنسوبِ إلى العَلَّامةِ إمامِ الحرَمَيْنِ أبي المَعالِي، يكونُ مَبسوطًا بضَرْبِ الأَمثلةِ، والإشارةِ إلى الأَدِلَّةِ، وإيضاحِ المُشْكِلِ، وتقييدِ المُهْمَلِ والمُغْفَلِ. فبَادَرْتُ إلى الامتثالِ على حينِ فُتورٍ مِن الْهِمَّةِ، وقُصورٍ مِن الْحَظِّ، مُستعينًا باللَّهِ تعالى، ورَاجِيًا مِنْ يُمْنِ المُشِيرِ عَلَيَّ بذلكَ وسَعْدِ جَدِّهِ، أنْ أُوَفَّقَ لِمَا يَقَعُ منهُ بِمَحَلِّ الرِّضَى، ومُقْتَضَى القَصْدِ.

(الوَرَقَاتُ) : جَمْعُ وَرَقَةٍ، وهوَ جَمْعُ قِلَّةٍ؛ لأنَّهُ جَمْعُ سَلامةٍ، وجُموعُ السلامَةِ عندَ سِيبَوَيْهِ مِنْ جُمُوعِ القلَّةِ، قَصَدَ بذلكَ التقليلَ للتسهيلِ على الطالِبِ والتنشيطِ لِحِفْظِها. وقدْ جاءَ مِثلُ هذا في الكتابِ العزيزِ، فقالَ تعالى في فَرْضِ صومِ رَمضانَ على أَحَدِ قَوْلَي المفسِّرينَ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} ، فوَصَفَ الشهرَ الكاملَ بأيَّامٍ مَعدوداتٍ للتسهيلِ على الْمُكَلَّفِينَ.

تَرجمةُ الإمامِ رَضِيَ اللَّهُ عنهُ:

إمامُ الحرَمَيْنِ هوَ أبو الْمَعالِي عبدُ الملِكِ ابنُ الشيخِ أبي مُحَمَّدٍ عبدِ اللَّهِ بنِ يُوسُفَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ يُوسفَ بنِ مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبُ بضياءِ الدِّينِ، وُلِدَ في ثامِنَ عَشَرَ المُحَرَّمِ سَنَةَ تِسعةَ عشرَ وأَرْبَعِمِائَةٍ، وتُوُفِّيَ بقَريَةٍ مِنْ أعمالِ نَيْسَابورَ يُقالُ لها: بشتنقانَ، ليلةَ الأربِعاءِ سَنَةَ ثمانٍ وسبعينَ وأربعِمِائَةٍ، جاوَرَ بِمَكَّةَ والمدينةِ أَربعَ سِنينَ يُدَرِّسُ العلْمَ ويُفْتِي، فَلُقِّبَ إمامَ الحرَمَيْنِ. انتهَتْ إليهِ رِياسةُ العلْمِ بنَيْسَابورَ، وبُنِيَتْ لهُ المدرسةُ النِّظامِيَّةُ بها، ولهُ التصانيفُ الْمُفيدةُ التي لمْ يُسْبَقْ إلى مِثْلِها، ومنها فيما اشْتُهِرَ هذا الكتابُ؛ الذي قَلَّ حَجْمُهُ، وعَظُمَ نَفْعُهُ، وظَهَرَتْ بَرَكَتُهُ، احْتَوَى على مَسائلَ خَلَتْ عنها الْمُطَوَّلاتُ، وفوائدَ لا تُوجَدُ في كثيرٍ مِن الْمُخْتَصَرَاتِ. ومِنْ ذلكَ ما بَدَأَ بهِ مِن الكلامِ على اسمِ هذا العلْمِ، وتفسيرِ مُفْرَدَيْهِ، وذلكَ قولُهُ:

(ذلكَ لَفْظٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ جُزْأَيْنِ مُفْرَدَيْنِ؛ أحدُهما: أُصولٌ، والآخَرُ: الفِقْهُ) .

الإشارةُ بقولِهِ: (ذلكَ) ، إلى أُصُولِ الفِقهِ، وقدْ تَقدَّمَ ذِكْرُهُ في قولِهِ:

(هذهِ وَرَقَاتٌ تَشتمِلُ على مَعرِفَةِ فُصولٍ منْ أصولِ الفقهِ) .

قولُه: (مُؤَلَّفٌ) ، التأليفُ والتركيبُ بمعنًى عندَ بعضِهم، وبمعنيَيْنِ عندَ آخَرينَ، فالمؤلَّفُ مِثلُ: قامَ زيدٌ، وغلامُ زيدٍ، وزيدٌ قائمٌ. والمرَكَّبُ مِثلُ: حَضْرَمَوتٍ، وبَعْلَبَكَّ، ومَعْدِي كَرِبَ.

وقولُهُ: (مِنْ جُزْأَيْنِ مُفْرَدَيْنِ) ، الإشارةُ إلى أنَّ التأليفَ قدْ يكونُ مِنْ أَجزاءٍ مُفْرَدَةٍ، كقولِكَ:"زَيدٌ هوَ ابنُ عمرٍو"، فهذهِ جُملةٌ خَبَرِيَّةٌ مِنْ ثلاثةِ أَجزاءٍ مُفْرَدَةٍ، غيرُ الفَصْلِ الذي هُوَ [هوَ] ، وهيَ زيدٌ وابنٌ وعمرٌو، وقدْ تكونُ مِنْ جُزْأَيْنِ مُرَكَّبيْنِ، كحَرْفِ الشرطِ إذا دَخَلَ على جُملتيْنِ، في مِثلِ قولِك:"إنْ قامَ زيدٌ قُمْتُ"، فإنَّ"قامَ زيدٌ"جملةٌ، و"قُمْتُ"جملةٌ، فلمَّا دَخَلَ عليهما حَرْفُ الشرطِ صارَتْ كلُّ واحدةٍ منهما جُزءًا مِن الجملةِ الشرطيَّةِ. فهذا تأليفٌ مِنْ جُزْأَيْنِ مُرَكَّبَيْنِ، أَحَدُهما -يعني أحدَ الجُزْأَيْنِ الْمُرَكَّبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت