فهرس الكتاب
الناس بخلق حسن» رواه الترمذي، ومثاله في النثر قول الحريري: فأنما الأعمال بالنيات وبها انعقاد العقائد الدينيات، وقوله أيضًا: شاهت الوجوه وقبح اللكع ومني رجوه، اقتبس من قوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وقد رمى الكفار بكف من حصباء وقال «شاهت الوجوه» رواه مسلم، وغال بما تقدم لم ينقل فيه المقتبس عن معناه، ومثال ما نقل قول ابن الرومي:
لئن أخطأت في مدحك = ما أخطأت في منعي
لقد أنزلت حاجتي = بواد غير ذي زرع
معناه في القرآن بواد لا ماء فيه ولا نبات، فنقله إلى جانب لا خير فيه ولا نفع وكل ما تقدم باق على لفظه، ومثاله ما غير يسيرا قول بعض المغاربة:
قد كان ما خفت أن يكونا = إنا إلى الله راجعونا
وقول شيخنا الشهاب الحجازي:
لا تدع اليتيم يوما وكن في = شأنه كله رءوفا رحيما
أرأيت الذي يكذب بالدين = فذلك الذي يدع اليتيما
وقولي:
أعوان أهل الظلم قد زلزلوا = ببأسهم قلب الكئيب الكليم
[شرح عقود الجمان: 167]
يا أيها الناس اتقوا ربكم = زلزلة الساعة شيء عظيم
وقول ابن عباد:
قال لي إن رقيبي = سيء الخلق فداره
قلت دعني وجهك = الجنة حفت بالمكاره
اقتبس من قوله صلى الله عليه وسلم «حفت الجنة بالمكاره» رواه مسلم. ثم نبهت من زيادتي على حكم الاقتباس شرعًا فإن ذلك أمر مهم. فأما المالكية فإنهم يبالغون في تحريمه ويشددون النكير على فاعله حتى إني أنشدت شيخنا قاضي القضاة محي الدين بن أبي القاسم الأنصاري عالم الحجاز قول شيخنا الشهاب الحجازي:
مات ابن موسى وهو بحر كامل = فهنا كم جمع الملائك مشترك
يأتيكم التابوت فيه سكينة = من ربكم وبقية مما ترك
وقلت له ما تقول في هذا. فقال لي: هذا كفر عندنا، وأما أهل مذهبنا فلم يتعرض له المتقدمون ولا أكثر المتأخرين مع شيوع الاقتباس في أعصارهم واستعمال الشعراء له قديما وحديثا، وفي حفظي من كتاب الشعر للشيخ علاء الدين بن العطار أنه نقل فيه عن شيخه الشيخ محي الدين النووي جواز الاقتباس في النثر في الخطب والوعظ ومنعه في النظم. وقال الشرف إسمعيل ابن المقرئ اليمني، وهو من شيوخ شيوخنا في شرح بديعيته ما كان منه في الخطب والوعظ ومدحه صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه ولو في النظم فهو مقبول وغيره مردود، وفي شرح بديعية ابن حجة الاقتباس ثلاثة أقسام: مقبول، ومباح، ومردود. فالأول ما كان في الخطب والمواعظ والعهود. والثاني ما كان في النزل والرسائل والقصص. والثالث على ضربين: أحدهما ما نسبه الله تعالى إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه كما قيل عن أحد بني مروان أنه وقع على مطالعة فيها لشكاية عماله - إن إلينا إياهم ثم إن علينا حسابهم - والآخر تضمين آية في معنى هزل ونعوذ بالله من ذلك