فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 168

قل: (ما شاء الله وحده ) ) )، هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة كقوله

ـ تعالى ـ: {لمن شاء منكم أن يستقيم} ؛ فكيف بمن يقول: (أنا متوكِّلٌ على الله وعليك) و (أنا في حسْب الله وحسبك) و (مالي إلا الله وأنت) و (هذا من الله ومنك) و (هذا من بركات الله وبركاتك) و(الله لي في السماء وأنت لي في

الأرض)؛ وَزِنْ بين هذا الألفاظ الصادرة من غالب الناس اليوم وبين ما نهى الله عنه مِن (ما شاء الله وشئت) ثم انظر أيها أَفْحَشْ يتبيّن لك أنّ قائلها أولى بالبُعد من

{إياك نعبد} ، وبالجواب من النبي - صلى الله عليه وسلم - لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نِدًّا فهذا قد جعل من لا يدانيه لله نِدًّا.

وبالجملة: فالعبادة المذكورة في قوله ـ تعالى ـ: {إياك نعبد} هي: السجود، والتوكُّل، والإنابة، والتقوى، والخشْية، والتوبة، والنذور، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعًا وتعبُّدًا، والدعاء؛ كلُّ ذلك محْضُ حقِّ الله ـ تعالى ـ [1] .

(1) قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله تعالى ـ: (( ومن الشرك بالله ـ تعالى ـ المبايِن لقوله ـ تعالى ـ: {إياك نعبد} ) ). سبق أن بيّن الإمام المقريزي {إياك نعبد} يدلُّ على المنع، على منع الإشراك في العبادة والمحبّة بدليل تقديم المعمول على العامل وهذا يُفيد الحصر ـ كما تقدّم ـ.

(( الشرك به ) )أي: الشرك بالله ـ تعالى ـ (( في اللفظ كالحلف بغيره كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( من حلف بغير الله فقد أشرك ) ))) يقول

المعلِّق: (( معنى الشرك هنا: أنّ الحالف بغير الله قد لله شريكًا في التعظيم ) )جعل المحلوف به شريكًا لله في التعظيم، (( لأن الحلف بالشيء يقتضي تعظيم ذلك الشيء عظمة تُشبه عظمة الله ) )، بل في الحلف بغير الله فيه الخوف من المحلوف به؛ قال المعلِّق: (( لأن الحلف خاصّ بالله، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمُتْ ) )أي: ليسكت فلا يحلف مطلَقًا )) ؛ الحلف بغير في الأصل: من الشرك الأصل، ولكن قد تصحب هذا الحلف بعض المعاني التي تجعل الحلف بغير الله ـ تعالى ـ من الشرك الأكبر؛ أشار المعلِّق إلى ذلك إشارة حيث قال: (( قد جعل لله شريكًا في التعظيم ) )، تعظيم غير الله ـ تعالى ـ تعظيمًا يشبِه تعظيم الله أو تعظيمًا كتعظيم الله، ومحبة غير الله كمحبة الله، والخوف من غير الله كالخوف من الله من الشرك الأكبر؛ وهذا يُشاهَد ـ كما مثّلنا غير مرّة ـ في كثير من العوام الذي يبالغون في تعظيم المشايخ، يخافون من الحلف بالشيخ أكثر ممّا يخافون من الحلف بالله، وربما تذرّعوا بذريعة بأن الله غفورٌ رحيم، حتى لو حلف به الإنسان كاذبًا له أن يتوب إلى الله فهو يغفر الذنوب جميعًا، ولكنّ الشيخ إذا أساء إليه أتباعه لا يرحم ولا يغفر ينتقم؛ الاعتقاد في الشيخ بأنه قادرٌ على الانتقام بطريقة سريّة لا بطريقة ظاهرة ـ أي: لا بالأسباب الظاهرة ـ؛ الخوف ممّن هو أقوى منك أن تخاف منه أن يضرُّك بالأسباب الظاهرة كأن يضربك أو يطعنك أو يفعل أو يفعل هذا من الخوف الطبيعي الذي لا يضر وليس من خوف العبادة، ولكنّ الخوف الذي يكون شركًا: الخوف السِّرِّي: كونُ المريد أو الخليفة يخاف من الشيخ الخوف السري، أولًا: يعتقد بأنه يعلم ما في نفسه، ويعتقد بأنه قادرٌ بأن ينتقم منه لو حلف به كاذبًا أو لو أساء إليه، بهذا المعنى يرتفع الحلف بغير الله من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر؛ وهذا واقعُ بعض الناس ـ الله المستعان ـ.

ساق الإمام المقريزي لهذا الحديث وأثبت بأنه ثابتٌ ... إلى آخر ما قال، ثم ساق أثرًا عن ابن عمر، إلى أنْ قال: (( ... عن سعيد بن عبيدة قال: كنت عند ابن عمر - رضي الله عنه - فحلف رجلٌ بالكعبة، فقال ابن عمر - رضي الله عنه: ويحك! لا تفعل فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( من حلف بغير الله فقد أشرك ) ))) . تقدّم البحث في أن الحلف بغير الله في الأصل أنه من الشرك الأصغر.

(( ومن الإشراك قولُ القائل لأحدٍ من الناس:(ما شاء الله وشئتَ) كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال له رجلٌ: (ما شاء الله وشئتَ) فقال: (( أجعلتني لله نِدًّا؟، قل:(ما شاء الله وحده ) ))) ). هذا من باب حماية المصطفى - صلى الله عليه وسلم - حمى التوحيد وجَناب التوحيد.

(( هذا مع أنّ الله ـ تعالى ـ قد أثبت للعبد مشيئة كقوله ـ تعالى ـ: {لمن شاء منكم أن يستقيم} ) ). لكن وجه الإنكار: العطف بالواو: (ما شاء الله وشئتَ) لأن

(الواو) لمطلَق الجمع تقضي أن تكون مشيئة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ كمشيئة الله، لكن لو عطف بـ (ثم) : (ما شاء الله ثم شئتَ) لا بأس لأنه أخّر مشيئة العبد وجعلها تابعةً لمشيئة الله ـ تعالى ـ {وما تشاءون إلا أنْ يشاء الله} .

ثم قال الإمام المقريزي: (( فكيف بمن يقول:(أنا متوكِّلٌ على الله وعليك ) )). التوكُّل لا يكون إلا على الله مطلَقًا، وخصوصًا: فيما لا يملك العبد؛ وفيما يملك العبد قال صاحب (( فتح المجيد ) ): إن يكون من الشرك الأصغر؛ إذا توكّل الإنسان على رئيسه ورئيس قسمه فيما يقدر عليه أن يفعل، وهذا من نوع الشرك الأصغر، ولكن إذا توكّل على مخلوقٍ فيما لا يقدر عليه إلا الله: من الشرك الأكبر؛ والحذر: عدمُ الاتّكال على المخلوق في كل شيء، بل لا يجوز الاتّكال حتى على الأسباب المشروعة، الأسباب المشروعة لطلب العلم ـ مثلًا ـ: التغرُّب، وكثرة المذاكرة، وكثرة التعليق، وكثرة القراءة، وغير ذلك من الأسباب المعلومة؛ لا يجوز على طالب العلم أن يعتمد على هذه الأسباب في حُصول العلم، ولا يجوز لطالب الرزق أن يعتمد على الأسباب التي بذلها كفتح الدُكّان وتنمية الأموال وغير ذلك من الأسباب المعلومة، ولا يجوز للمجاهد ولمن يريد أن ينتصر على العدو أن يعتمد على الأسباب التي هيّأها للدفاع والانتصار، بل يعتبر هذه أسبابًا مشروعة والاعتماد على الله في نجاح تلك الأسباب، لأن الأسباب لا تنجح إلا إذا جعل الله فيها بركة، لذلك: لا يجوز الاتّكال حتى على الأسباب المشروعة.

وقولُ الإنسان لإنسان مثله: (أنا متوكِّلٌ على الله وعليك) هذا كفرٌ.

(( و(أنا في حسْب الله وحسْبك) ، و (مالي إلا الله وأنت) ، و(هذا من الله

ومنك)، و (هذا من بركات الله وبركاتك ) ) ) من أين له من بركة (( و(الله لي في السماء وأنت لي في الأرض ) )). انتبه للمعلِّق ماذا يقول: (( كأن الشيخ المقريزي يعيش بيننا؛ فهذه الألفاظ كثيرة التداوُل على الألسنة في هذه الأيّام ـ نعوذ بالله من شرها وشرِّ قائليها ـ ) )الشيخ طه يؤيِّد أنّ ما قاله المقريزي في القرْن التاسع فهو موجود الآن إنْ لم يكن أزْيد إن لم يكن توسّع فيه الناس أكثر فأكثر؛ لكن ماذا يستطيع الإنسان أن يقول أكثر من هذا إذا قال: (الله لي في السماء وأنت لي في الأرض) ، هذا لم يعرف الله، الله ـ سبحانه وتعالى ـ مع أهل السماء وأهل الأرض بعلمه وسمعه وبصره وتقديره {يدبِّر الأمر من السماء إلى الله} ؛ فهو لم يعرف الله ـ تعالى ـ؛ لكن العجيب: كيف قال:

(الله لي في السماء) كيف آمن بأن الله في السماء، هذا غريبٌ منه، إيمانه بأن الله في السماء هذه عبارةٌ غريبة عليه وكبيرة عليه، لأن كثيرًا من المتعلِّمين لا يعتقدون بأن الله في السماء يعتقدون بأن الله في كلِّ شيء وفي الأرض معنا؛ لكن هذه كأنها رَمْيةٌ من غير رامٍ ـ كما يقولون ـ.

يقول المؤلِّف: (( وَزِنْ بين هذه الألفاظ الصادرة من غالب الناس اليوم ) )أي: في القرن التاسع (( وبين ما نهى عنه من(ما شاء الله وشئت) ، ثم انظر أيهما أفحش، يتبيّن لك: أنّ قائلها أولى بالبُعد من {إياك نعبد} )). لم يحقِّق مقام {إياك نعبد} بل هو بعيد من {إياك نعبد} ؛ (( و ) )أولى ـ أيضًا ـ (( بالجواب من النبي - صلى الله عليه وسلم - لقائل تلك الكلمة ) )ـ ما شاء الله وشئت ـ (( وأنه إذا كان قد جعل رسول الله نِدًّا فهذا قد جعل من لا يدانيه لله نِدًّا ) ). العبارة هذه نقف عندها قليلًا: يقول المقريزي ـ رحمه الله ـ: (( وأنه إذا كان قد جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نِدًّا ) )بقول القائل: (ما شاء الله وشئت) (( فهذا قد جعل من لا يدانيه ) )أي: من لا يداني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( نِدًّا لله ) )أي: مَن دون رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ بمراحل جعله نِدًّا لله؛ وهل هناك فرقٌ بين أن تجعل لله نِدًّا نبيًّا وبين أن تجعل لله ندًّا إنسانًا عاديًّا أو شجرًا أو ضريحًا؟؛ لا فرق بينهما، ولذلك: العبارة فيها نظر، ضعوا علامة: (في العبارة نظر) ، اتركها هكذا.

(( وبالجملة فالعبادة المذكورة في قوله ـ تعالى ـ: {إياك نعبد} هي السجود، والتوكُّل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة، والنذور، والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغار، وحلق الرأس خضوعًا ) )ـ كما تقدّم ـ: حلق الرأس يكون عبادة في مكان معيّن وفي موضع معيّن: عندما يتحلّل الإنسان من الحج والعُمرة؛ ولو جُعل للشيخ موسمٌ كما هو واقع كثير من عوام المسلمين موسم معين يُزار فيه حيًّا أو ميًِّا ويُحجُّ إليه، وتُحمل إليه الأموال باسم الزيارة، ثم بعد هذا حلق رأسه خضوعًا وتذلُّلًا للشيخ؛ المريد عندهم لا يكون مريدًا صادقًا إلا إذا سلّم نفسه للشيخ وجعل نفسه بين يدي الشيخ كالميِّت بين يدي الغاسل ـ هكذا يقولون ـ: المريد الصادق الذي يجعل نفسه بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل يقلِّب كيف يشاء؛ معنى ذلك: يتحلّل من البشرية والإنسانية، والرجولة، ومن كل شيء يكون كبهيمة أو أشد، يتصرّف فيه الشيء ما يشاء.

لو ذكرنا في هذه المناسبة بعض وقائع وقصص منهم محزنة ومضحكة في وقت واحد؛ ولكنّ الإنسان إذا علم من تلك الأشياء، ثم علم ما هو فيه بما منّ الله عليه من الفهم في الدين يزداد إيمانًا بالله؛ يصل الحال بالمريدين إلى درجة: إن العريس يقدِّم في أول ليلة امرأته للشيخ ليتبرّك بها، ليباركها، بعد أن يقضي وطَره يُرسل للمريد؛ إلى هذه الرجولة، يعني: ماتتْ فيهم الغيرة والرجولة وكلُّ شيء، كلُّ معنى الإنسانية؛ إذا وصل إلى هذه الدرجة هذا هو المريد الصادق الذي يُرجى له أن يصل إلى الله ويكونَ يومًا من العارفين بالله؛ هذا دينٌ آخر، وملّة أخرى غيرَ ملّة رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ وعلى هذا يعيش كثيرٌ من جُمهور المسلمين في بعض الأقطار؛ تصوّروا هذا؛ إذا أردتم أن تقفوا على شيء من أمثال هذه الحكايات المحزنة ممكن تقرءوا في كتاب (( هذه هي الصوفية ) (( مصرع التصوُّف ) ).

ثم ما يقوله كبيرهم وأكفرهم ابن عربي في (( فصوص الحكم ) )وفي (( الفتوحات المكيّة ) )الذي جُلُّ ما فيه كفرٌ بَواح؛ وسوف يُشير إليه المقريزي فيما يأتي ـ إن شاء الله ـ.

الحمد لله على نعمة الإسلام.

قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله تعالى ـ: (( كلُّ ذلك محْض حقِّ الله ـ تعالى ـ ) ). أي: من السجود وما عُطف عليه أنواع العبادات التي عدّدها هنا مثل تلك العبادات التي عدّدها الإمام ابن عبد الوهّاب في (( الأصول الثلاثة ) )تمامًا مثلها.

(( كل ذلك محْض حق الله ـ تعالى ـ ) ). أي: كلُّ ما تقدّم من أنواع العبادة التي عدّدها بدأً بقوله: (( هي السجود، والتوكُّل، والإنابة ... ) )إلى آخره (( كل ذلك محض حق الله ـ تعالى ـ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت