فهرس الكتاب
واعلم أنّك إذا تأمّلت جميع طوائف الضلال وجدت أصل ضلالهم راجعًا إلى شيئين: أحدهما: الظن بالله ظن السوء، ولم يقدروا الرب حق قدره؛ فلم يقدره حق قدره من ظن أنه لم يُرسل رسولًا ولا أنزل كتابًا بل ترك الخلق سُدىً وخلقهم عبثًا.
ولا قدره حق قدره من نفى عموم قدرته وتعلُّقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم وأخرجهما عن خلقه وقدرته.
ولا قدر الله حقّ قدره أضداد هؤلاء الذين قالوا: إنه يعاقِب عبده على ما لم يفعله، بل يعاقبه على فعله ـ سبحانه وتعالى ـ؛ وإذا استحال في العقول أن يُجبر السيِّد عبده على فعل ثم يعاقبه عليه فكيف يصدُر هذا من أعدل العادلين؛ وقولُ هؤلاء شرٌّ من أشباه المجوس القدرية الأذلِّين [1] .
(1) قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( واعلم: أنك إذا تأمّلت جميع طوائف الضلال ) ). طوائف الضلال التي تجدّدت بدأً من أواخر أيّام الصحابة في عهد عليّ بن أبي طالب؛ ابتُلي عليٌّ - رضي الله عنه - بطوائف ثلاثة ظهرت في وقته: الخوارج، والشيعة والقدرية.
وبعد هذه الطوائف من طوائف الضلال التي تجدّدت في الإسلام: الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتورودية من جهة جَبْرية قدرية وإرجائية؛ هذه كلها طوائف.
الطوائف التي ألّف فيها علماء المسلمين كتبًا تسمّى كتب الفِرَق كـ (( الفرْق بين الفِرَق ) )للبغدادي، و (( الملل والنِّحَل ) )و (( الفِصَل ) )وغير ذلك من الكتب التي أُلِّفتْ في الفرق.
الفرق الضالة ـ طوائف الضلال ـ بدأتْ في أواخر عهد الصحابة واستمرّتْ إلى يوم الناس هذا؛ وهم متفاوتون بين من يصل ضلالهم إلى الكفر البواح وبين من يقف ضلالهم دون الكفر، متفاوتون؛ ليس كلُّ من قيل فيه: إنه من فِرَق الضلال معنى ذلك حكمنا عليه بالكفر لا، الضلال والإلحاد ليس كلُّ إلحادٍ كفرًا ولا كلُّ ضلال كفرًا ـ كما تعلمون ـ ولا كلُّ ظلم كفرًا، تتفاوت؛ وكذلك البدع.
قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( واعلم: أنك إذا تأمّلت جميع طوائف الضلال والبدع وجدت أصل ضلالهم راجعًا إلى شيئين ) )اثنين: (( أحدهما: الظن بالله ظنّ السَّوْء ) ). أُناس خَرِبَتْ عقولهم وقلوبهم يظنون بالله ظن السوء، (( ولم يقدّروا الرب حق قدره ) )لذلك يسيئون به الظن، وربما يقترحون عليه بعضَ الاقتراحات.
قال المؤلِّف: (( فلم يقدِّره ) )يجوز: فلم يَقْدُرْه (( حقّ قدره من ظنّ أنه لم يُرسل رسولًا ولا أنزل كتابًا، بل ترك الناس سُدى وخلقهم عبثًا ) )لا يوجَّهون ولا يُنصحون، ولا يُؤمرون ولا يُنهون؛ هؤلاء الذين يُنكرون أصل الرسالة: ليستْ هناك رسالة ولا كتاب، ويتهّمون الأنبياء بأنهم قالوا على الله بغير علم ـ أو قالوا على الله خلاف الواقع ـ أهل التجهيل، أهل التخييل، يقولون: لا رسل ولا كتب، وإنما الله خلق الناس ليختبرهم منهم من يهتدي بعقله النيِّر ومنهم من يضل بعدم استعمال عقله، تركهم إلى عقولهم؛ فوضى.
(( ولا قدره حق قدره من نفى عموم قدرته [تعالى] وتعلُّقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم ) ). معنى التعلُّق أي: ليس الله هو الخالق لهذه الأشياء بقدرته، لأن الله يخلُق كلَّ ما يخلق بالقدرة، وأنّ طاعات العباد ومعاصيهم ليستْ داخلة في قدرة الله
ـ تعالى ـ فالله غيرُ قادرٍ عليها.
(( وأخرجهما ) )الطاعة والمعصية (( عن خلقه [تعالى] ) )ليس الله هو الخالق، (( و ) )عن (( قدرته ) )ولا يقدر عليها؛ لا يقدر على أفعال العباد؛ ويختلفون: هل يقدر على مثل أفعال العباد أمْ لا؟، هؤلاء القدرية بعد أن اتّفقوا بأن الله غيرُ على أفعال العباد الاختيارية التي خلقوها هم والله لم يعلمها إلا بعد ما عملوها، يختلفون بعد ذلك هل هو قادرٌ على مثل أفعالهم أمْ لا؟.
لعلنا عَرَفْنا القدرية: هم الذين ينفون القدر: علمَ الله السابق وكتابَتَه للأشياء وقدرته على كل شيء؛ يخرجون أفعال العباد من عموم {كل} {إنه على كل شيء قدير} على كل شيء غير أفعال العباد، قالوا العباد غيرُ داخلة في عموم {كل} ؛ هكذا يتلاعبون؛ بينما يُدخلون في عموم {كل} بعض صفات الله ـ تعالى ـ لَمّا زيّن لهم شيطانهم بالقول بخلق القرآن، قالوا: القرآن داخلٌ في عموم {خالقُ كلِّ شيء} لأن القرآن شيء، أدخلوا صفة من صفات الله في عموم {كل} وأخرجوا أفعال العباد المخلوقة من عموم {كل} ؛ هكذا من ترك الكتاب والسنة والتمس الهدى في غير الكتاب والسنة يضلّه الله مثل هذا الضلال.
(( ولا قدر الله حقّ قدره أضداد هؤلاء ) )الذين قابلوا القدرية وهم الجَبْرية.
(( الذين قالوا: إنه يعاقِب عبده على ما لم يفعله ) ). عند الجبرية: العبد غيرُ فاعل، لأنه لا قُدرة له ولا إرادة ولا اختيار، الله هو الفاعل؛ فزعموا أنّ قوله ـ تعالى ـ: {وما رميت إذْ رميت ولكنّ الله رمى} دليلهم، قالوا: الله ـ سبحانه وتعالى ـ نفى الرمي من نبيّه، ليس النبي هو الذي رمى الله هو الذي رمى، إذًا العبد لا يفعل؛ فنسبة الأفعال إلى العباد نسبة مجازيّة؛ لو تدبّرتم في هذه الآية وجدتم الآية دليلٌ عليهم وليستْ دليلًا لهم: إذْ في الآية إثبات رمي ونفي رمي، أي: هناك رميٌ مثبت ورميٌ منفي: {وما رميت} هذا نفي {إذْ رميت} هذا إثبات؛ للرمي بداية ونهاية: بداية الرمي من رسول الله
ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهذا الرمي مثبت، ونهاية الرمي المنفي بيد الله: وما
رميْت أي: ما أوصلْت ـ هذه النهاية ـ، ما أوصلت التُّراب إلى وُجوه الكفّار ووزّعته على عيونهم أنت، لأنك لا تقدر على ذلك، {إذْ رميت} إذْ حذفت التُّراب، الحذف بداية الرمي حصل ممّن؟، من رسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ؛ إذًا: فيه: إثبات رمي ونفي رمي؛ والاستدلال بهذه الآية غيرُ وارد.
ولو طردنا الباب ـ كما يقولون ـ هل يمكن أن يقال لإنسان: وما صليْت إذْ صليت ولكنّ الله صلى؟، هل هذا صحيح؟، عاقل لا يقول هذا الكلام؛ وما صمت إذْ صمتَ ولكنّ الله صام؟، غير معقول؛ هناك كلام يصعب لفظه التلفُّظ به، وما سكرت إذْ سكرت من الذي سكر؟، هل يُقال؟، لا يستطيع يقوله أحد؛ ما بعد هذا؟؛ قِسْ على ذلك جميع الأعمال القبيحة التي لا يستطيع مسلم أن ينطق بها جناب الرب ـ سبحانه وتعالى ـ.
من هنا تعلمون: إن القوم ضلوا في هذا الاستدلال ـ وهم الجبرية ـ.
(( بل يعاقبه على فعله ـ سبحانه ـ ) )الله هو الفاعل.
(( وإذا استحال في العقول أن يُجبر السيِّد عبده على فعل ) )فعل من الأفعال، قال
له: افعل كذا (( ثم يعاقبه عليه؛ فكيف يصدر هذا ) )إذًا (( من أعدل العادلين ) )وأرحم الراحمين؟، لا يمكن أن يصدُر، عقلًا مستحيل، وشرعًا مستحيل، والفطرة تأبى ذلك
ـ الله المستعان؛ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتديَ لولا أنْ هدانا الله ـ.
قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( وقول هؤلاء ) )الجبرية (( شرٌّ من أشباه المجوس القدرية الأذلِّيْن ) )أي: كلام الجبرية أسوأ من كلام القدرية، لأنّ على مقتضى كلام الجبرية: إما أنه لا أمر ولا نهي ـ تعطيلٌ للأحكام ـ، أو إنّ العبد يُثاب على ما لم يفعله من خير ويُعاقب على ما لم يأته من شر؛ بل كلُّ ذلك ـ زعمهم ـ فعل الرب
ـ سبحانه وتعالى ـ؛ يفعل فعلًا ثم يُثيب إن كان خيرًا عباده على ما لم يفعلوه، ويعاقبهم على ما لم يرتكبوه؟؛ ليس هناك موقف أشرٌّ من هذا الموقف.