فهرس الكتاب

الصفحة 148 من 168

قال أبو بكر: أنا، قال: (( وجبتْ لك ) )ـ يعني: الجنة ـ. و [يَغْنَم] بن سالم وإن تُكلِّم فيه لكن تابعه سلمة بن وَرْدان.

وله أصلٌ صحيح من حديث مالك عن محمد بن شِهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة - رضي الله عنه: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من أنفق زوجين في سبيل الله نوديَ في الجنة: يا عبد الله هذا خيرٌ؛ من كان من أهل الصلاة نوديَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد نوديَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعيَ من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعيَ من باب الريّان ) )، فقال أبو بكر - رضي الله عنه: يا رسول الله ما على مَنْ يُدعى من هذه الأبواب كلها من ضرورة، فهل يُدعى أحدٌ من هذه الأبواب كلها؟، قال: (( نعم؛ وأرجو أنْ تكون منهم ) ). هكذا رواه عن مالك مسنَدًا عنه عن يحيى بن يحيى ومعْن بن عيسى وعبد الله بن المبارك.

ورواه يحيى بن بُكير وعبد الله بن يوسف عن مالك عن ابن شهاب عن حميد مرسَلًا؛ وليس هو عند القَعْنَبي لا مرسَلًا ولا مسنَدًا.

ومعنى قوله: (( من أنفق زوجين ) )يعني: شيئين من نوعٍ واحد نحو: درهمين أو دينارين أو فرسين أو قميصين، وكذلك: من صلّى ركعتين أو مشى في سبيل الله

ـ تعالى ـ خطوتين أو صام يومين ونحو ذلك. وإنما أراد ـ والله أعلم ـ: أقلّ التكرار وأقلّ وجوه المداومة [والمداومة] على العمل من وجوه البِر لأن الاثنين أقلُّ الجمع.

فهذا كالغيث أين وقع نفع، صحب الله بلا خلْق، وصحب الخلق بلا نفس، إذا كان مع الله عزل الخلائق من البَيْن تخلّى عنهم، وإذا كان خلقه عزل نفسه عن الوسط وتخلّى عنها؛ فما أغربه بين الناس، وما أشدّ وِحْشته منهم، وما أشدّ أُنسه بالله وفرحه به وطُمأنيته وسكونه إليه [1] .

(1) هذا الحديث الطويل الذي قال المعلِّق [تنبيه: المعلِّق هنا ليس هو الشيخ طه ـ الطابع ـ] في الهامش: (( أخرجه بنحوه مسلم ... ) )إلى آخره. الحديث الذي أخرجه مسلم هو الذي أتى به أخيرًا، ليس بهذا اللفظ ولكنّه يشير إلى أنّ أصله عند مسلم والنسائي وغيرهما؛ أما بهذا اللفظ وبهذه الصيغة ليس من رواية مسلم، ورواية مسلم هي التي تأتي بعد هذا.

يقول: (( أستحضر هنا: حديث أبي بكر الصدِّيق - رضي الله عنه - ... ) )وساق الحديث.

قال: (( هذا الحديث روي من طريق عبد الغني بن أبي عقيل: حدثنا [يغنم] ) )في التعليق عندكم: (( الصحيح: يَغْنَم؛ وصُحِّف إلى(نعيم) في الموضعين ))في هذا الموضوع والموضع الآخر في الصفحة المقابلة.

(( قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا في جماعة من أصحابه، فقال: (( من صام

اليوم؟ )) قال أبو بكر: أنا، قال: (( من تصدّق اليوم؟ ) )قال أبو بكر: أنا ... )) إلى أخره؛ هذا الحديث يقول في التعليق: (( رواه بهذا الاسناد: ابن عبد البر في (( التمهيد ) )في المجلّد السابع )) ـ راجع ـ، ثم تكلّم في سند الحديث كما ترون؛ وهذا يَغْنم الذي دافع عنه كثيرًا ليس بهذه الدرجة، وقد قيل فيه: إنه شيخٌ يضعُ الحديث؛ لذلك: هذا الحديث الطويل الذي فيه يَغْنم ليس من رواية مسلم، بل الحديث ـ وإن كان معناه صحيحًا بالجملة حيث يشهد له حديثٌ آخر ـ لكنه في حدِّ ذاته غيرُ صحيح.

(( وله أصلٌ صحيح من حديث ملك عن محمد بن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ) ). في الحديث الأول قال: (( من عاد اليوم مريضًا؟ ) )قال أبو بكر: أنا، قال: (( من شهد اليوم جنازة؟ ) )، قال أبو بكر: أنا، قال: (( وجبتْ لك ) )يعني: الجنّة. لا يُستغرب هذا من أبي بكر - رضي الله عنه - {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} ؛ إنما الشأن كلُّ الشأن في صحّة الحديث.

(( أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( من أنفق زوجين في سبيل الله نوديَ في الجنة: يا عبد الله هذا خير؛ فمن كان من أهل الصلاة نوديَ من باب الصلاة ) ))) بمعنى: في الجنة بابٌ خاصٌّ بالمصلِّين، والمراد: المكثرون من الصلاة ليس أداء الفرائض فقط، بل في هذا: حثٌّ على الإكثار من نوافق الصلاة.

(( ومن كان من أهل الجهاد نوديَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعيَ من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعيَ من باب الريّان ) )بابٌ خاصٌّ للصائمين الذين يؤدُّون الفرائض، ويُكثرون من نوافل الصيام، يُدعون من باب الريّان.

(( فقال أبو بكر - رضي الله عنه: يا رسول الله ما على من يُدعى من هذه الأبواب كلها من ضرورة، فهل يُدعى أحدٌ من هذه الأبواب كلها؟، قال: (( نعم، وأرجو أن تكون منهم ) ))) . هذا ثابت. رضي الله عنه. وهذا الحديث جاء ليستدلّ به على أنّ العابد الصحيح الموفٌّق لا يقيِّد نفسه، كلّ عمل يستطيع أن يعمل يعمل، لديه مال يتصدّق، ليس لديه مال يُكثر من الأذكار كالتسبيح والاستغفار والتكبير والتهليل، لديه شيءٌ من العلم يُنفِق، ويشتغل بتعلُّم العلم النافع الواجب العلم الضروري لأن العلم الضروري واجبٌ من الواجبات، ويجاهد إذا وجب الجهاد، ويعمل، وبرُّ الوالدين، والإحسان إلى الوالدين، وغير ذلك أعمال الخير كثيرة، وهذه أمثلة فقط.

ثم قال ـ إلى آخر كلامه على سند الحديث، مع أنه يشير إلى أن هذا الحديث كذلك في (( الموطأ ) )مرسَلًا، لكن كون في (( الصحيحين ) )يغني هذا ـ: (( وليس هو عند القَعْنَبي لا مرسَلًا ولا مسندًا ) )يعني: من نسخ (( الموطأ ) ).

(( ومعنى قوله: (( من أنفق زوجين ) )يعني: شيئين من نوع واحد )) يعني: مَنْ أكثر، الغرض الإكثار، وأقلُّ الكثرة اثنين كأنْ ينفق (( درهمين ) )يعني: ريالين، (( أو دينارين، أو فرسين، أو قميصين ) )عمامتين، طاقيتين، (( وكذلك من صلّى ركعتين أو مشى في سبيل الله ـ تعالى ـ خطوتين ) )إلى المساجد، لعيادة المريض، اتّباع الجنازة، للجهاد، (( أو صام يومين، ونحو ذلك ) )يعني: داوم على عمل من نوعٍ واحد؛ (( وإنما أراد ـ والله أعلم ـ أقلَّ التكرار ) )يعني: أقلّ الجمع، (( وأقل وجوه المداومة ) )أو أراد أقلّ وجوه المداومة

ـ أقلّ الجمع ـ وأقلُّ الجمع: اثنين، وقيل: ثلاثة.

(( والمداومة على العمل من أعمال البر لأن الاثنين أقلُّ الجمع ) )لأنّ خير العمل: ما دام عليه صاحبه وإنْ قلّ؛ كونُ الإنسان يصوم ويترك، يصلِّي الضحى يومين ثلاثة يترك، يصوم يومين ثلاثة الاثنين والخميس يترك؛ هذا غير صالح، إنما لو صام يومًا واحدًا وواظب عليه، ولو يصلي ركعتين من الضحى ويواظب عليهما بدلًا من أنْ يُكثر: خير العمل: ما دام عليه صاحبه وإنْ قلّ؛ ينبغي أن يعوِّد الإنسان نفسه على المداومة على العمل إذا بدأ؛ وكذلك طلب العلم لا ينبغي أن تطلب تنشط أسبوع أسبوعين شهر شهرين ثم تملّ تمشي تقول: تعبنا، لا، داوِمْ، وخصوصًا في وقت شبابك وفراغك، الشباب والفراغ نعمتان عظيمتان لا يقدِّرهما إلاّ من فقدهما، من فقد شبابه وفقد فراغه هو الذي يقدِّر هاتين النعمتين، نعمتين عظيمتين؛ نعمة الصحة كذلك، نعمة الصحة ونعمة الفراغ، ونعمة الشباب؛ هذه نعم نذكِّركم بها لأنكم في وسطها لتغنموها وتستغلوها ولا تضيِّعوها؛ فوُجود من يعلِّمكم ما تحتاجون إليه بكثرة، ممكن ترتِّبوا لكم دروسًا عدّة أشخاص من المعلِّمين والمدرِّسين والمشايخ ما أكثرهم، في بيوتهم في مساجدهم في المسجد النبوي في كلِّ مكان؛ الجمع بين مواد عِدّة بإمكانكم الآن؛ وأن تستغلوا هذه الفرصة، هذه فرصة عظيمة، مضى على العلماء حيث يبحثون عن عالم واحد، لا يجتمع في بلد واحد علماء كما يجتمع الآن، ولكن لَمّا اجتمعوا في مكان واحد في بلد وربما في مسجد واحد صار طلاب العلم لا يستفيدون منهم؛ كان العلماء في قلّة والناس تطلب؛ وأنتم قرأتم رحلات المشايخ رحلات العلماء إلى صنعاء إلى كذا إلى كذا لطلب العلم لطلب حديث واحد، يقال في صنعاء عبد الرزاق، يقال في كذا هنا الإمام الأوزاعي، يُذكر إمام واحد عالمٌ واحد في البلدة يرحلون إليه؛ والآن كم عندكم من المدرِّسين فيما تحتاجون إليهم في جميع المواد؛ احرصوا كلَّ الحرص ـ الله المستعان ـ.

(( فهذا ) )المشار إليه: الصنف الرابع (( كالغيث أين وقع نفع ) )العُبّاد بالعبادة المطلقة كالغيث أينما وقع نفع كما تقدّمت الأمثلة: مع الذاكرين، مع العلماء، مع المتصدِّقين، مع المجاهدين.

(( صحب الله ) )هذا الصنف (( بلا خلق ) )تركوا الخلق فصحبوا الله بالمراقبة الصادقة.

(( وصحب الخلق بلا نفس ) )أي: بأجسادهم: يكونون مع الخلق إذا اختلطوا بالناس يكونون معهم بأجسادهم، ولكن بأرواحهم وقلوبهم مع الله؛ مخالطة الناس ومجالسة الناس لا تشغلهم عن الله، أي: لا يعتزل الناس في المخالطة لكون يريد أن يصاحب الله، هذا يفعله أمثالنا الإنسان الضعيف التي تشغله المخالطة والمحادثة مع الناس، لكن إذا وصلوا إلى هذه الدرجة ـ إذا وصل الإنسان إلى هذه الدرجة ـ قد يكون مع الناس طول وقته، ولكن هذه المجالسة مع الناس ـ أو المخالطة ـ لا تشغله عن الله، بل هو بقلبه مع الله يراقبه ويتذكّر إنعامه وإفضاله لا ينساه.

(( إذا كان مع الله عزل الخلائق من البيْن ) )أي: بحسن المراقبة والتعلُّق بالله وإنْ هو معهم بجسده. (( وعزل الخلائق من البين ) )أي: من بينه وبين الله، لا يحول الخلق بينه وبين الله، حديث الناس والكلام مع الناس والأنس مع الناس لا يشغله عن الله ـ تعالى ـ.

(( وتخلّى عنهم ) )وهو معهم بجسده، لكنه ليس معهم بقلبه. (( وتخلّى عنهم ) )بل ذلك يشغله عن الخلق، وهو ليس معهم إلا بجسده.

(( وإذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط ) )أي: يسعى في نفع عباد الله، لا يكون أنانيًّا يسعى لمصلحته الخاصّة، بل ينسى نفسه ويؤثر عباد الله على نفسه؛ هذا معنى

قوله: (( إذا كان مع خلقه عزل نفسه من الوسط ) )أي: من الوسط من بين وبين عباد الله؛ ينفع عباد الله بما يستطيع أن ينفعهم به، ولا تشغله مصلحته الخاصة عن نفع

عباد الله ـ تعالى ـ.

(( وتخلّى عنها ) )تخلى عن نفسه، آثر غيره على نفسه، وتركها.

(( فما أغربه بين الناس ) )وما أقلّ وجوده، ما أقل وُجود هذا الصنف بين الناس خصوصًا في الوقت الحاضر؛ غريبٌ جدًّا وقليلٌ وجوده.

(( وما أشدَّ وحشته منهم ) )وهو جالسٌ معهم لكنه مستوحشٌ منهم لأنهم يخوضون في أحاديث الدنيا: في البيع والشراء في أشياء كثيرة؛ فهو مستوحش من هذا الكلام، لكنه يضطّر أن يجالسهم مستوحشًا منهم ومستأنسًا بربه ـ سبحانه وتعالى ـ.

لذلك قال: (( وما أعظم أُنسه بالله [تعالى] وفرحه به ) )هذا ما يُدرك إلا بالذوق؛ هذا كلام ابن القيِّم لأنه ذاق ولذلك يشرح هذا الشرح؛ نحن علينا أن ننقل العبارات فقط، ولكن هو يتكلّم عن ذوقه وإدراكه.

(( وطُمأنيته وسكونه إليه [تعالى] ) ) {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت