فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 168

المستقيم متضمِّنٌ للأمرين على التفصيل وإلهام القيام بهما وسلوك طريق السالكين إلى الله ـ تعالى ـ [1] .

(1) قال الإمام المقريزي ـ رحمه الله تعالى ـ: (( واعلم ) )يا طالب العلم. جملة (( واعلم ) ): كثيرًا ما يستعمل العلماء الأوّلون يقولون: هذا أمر موجّه إلى كل من يصلح منه العلم: (( واعلم ) )يا من يصلح منه العلم أو يا من كان مستعدًّا لفهم العلم.

(( أن العبادة أربع قواعد ) ). لك أن تقول: أربعة أقسام؛ المعنى واحد.

(( وهي ) )العبادة (( التحقيق بما يحب الله ورسوله ويرضاه، وقيام ذلك ) )قيام تحقيق ما يحب الله ورسوله ويرضاه (( بالقلب واللسان والجوارح ) )الذي يتبادر القواعد ـ أو الأقسام ثلاثة ـ لكنه جعل أربع حيث جعل للقلب قولًا وعملًا بهذا صارت القواعد

ـ أو الأقسام ـ أربعة ـ كما سيأتي ـ.

(( فالعبودية اسمٌ جامع لهذه المراتب الأربع ) )أي: تحقيق العبودية اسمٌ جامع لهذه المراتب الأربعة.

(( فأصحاب العبادة حقًّا ) )الذين يُعتبرون أصحاب العبادة لله حقًّا.

(( هم أصحابها ) )أصحاب هذه المراتب الأربع، أو الأقسام الأربع.

ثم جعل يفصِّل فقال: (( فقول القلب ) )للقلب قولٌ وعمل؛ هذا اصطلاح.

(( هو اعتقاد ما أخبر الله ـ تعالى ـ عن نفسه وأخبر رسوله عن ربّه من أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه وما أشبه ذلك ) )أي: الإيمان بأسمائه وصفاته؛ فإثبات أسمائه فإثبات صفاته وإثبات أفعاله كما أثبت الله لنفسه وأثبت له رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ دون تحريف أو تعطيل ودون تشبيه أو تمثيل. هذا في باب الأسماء والصفات.

والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان بلقاء الله ـ تعالى ـ يشير إلى الإيمان بالبعث وما بعد البعث؛ كلُّ ذلك من قول القلب؛ أن يعتقد الإنسان بقلبه صحّة ما أخبر الله عن نفسه أو أخبره عنه رسوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله، واعتقاد أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ فعّال لما يريد، والحكمة؛ والإيمان بالملائكة وما بعد الملائكة ـ كما تعلمون ـ، والإيمان بالبعث وما يترتّب على ذلك. هذا يسمى قول القلب.

(( وقول اللسان ) ). وأما قول اللسان: (( الإخبار عنه بذلك ) )أن تتحدّث وتُخبر بأن الله له الأسماء الحسنى والصفات العلى وأنه فعّال لِمَا يريد، أن تتكلّم وتتحدّث بذلك وتُخبر الناس.

(( والدعاء إليه ) )والدعاء إلى ذلك: الدعاء إلى قول القلب على التفصيل الذي تقدّم.

(( والذَبُّ عنه ) )أي: رد الشبه عن أسماء الله ـ تعالى ـ وصفاته وأفعاله والإيمان بالملائكة والإيمان بلقائه.

(( وتبيين بُطلان البدع المخالفة له ) ). الدعوة والدفاع وتبيين البدع المخالفة له. هذا قولُ اللسان ـ أو وظيفة اللسان ـ.

(( والقيام بذكره ـ تعالى ـ ) ). ذكر اللسان كتلاوة القرآن والأذكار المأثورة.

(( وتبليغ أمره ) )الأمر والنهي والنصح والإرشاد. هذه وظائف اللسان؛ ويسمى في اصطلاحه (قول اللسان) ؛ هذه قاعدة من القواعد ـ أو قسم من أقسام العبادة، وإنْ شئت قسم من أقسام الإيمان ـ.

(( وعمل القلب ) )الجوارح (( كالمحبة له، والتوكُّل عليه ... ) )إلى آخره؛ فرِّق بين عمل القلب وقول القلب؛ إذًا: قول القلب: الاعتقاد ـ على هذا الاصطلاح ـ اعتقاد ما تقدّم شرحه، وعمل القلب: عملٌ اعتقاديٌّ يقوم بالقلب؛ هو عمل؛ التفريق بين قول القلب وبين عمل القلب مجرّد اصطلاح؛ لذلك بعضهم يجعله شيئًا واحدًا، يتبيّن لكم هذا من بحث الإيمان؛ الإيمان: قولٌ وعمل، عند تفصيل (قول وعمل) يختلفون هذا الاختلاف منهم من يفصِّل هذا التفصيل، ومنهم من يجعل ثلاثة.

(( وعمل القلب كالمحبة ) )محبة الله ـ تعالى ـ، (( والتوكُّل عليه، والإنابة إليه، والخوف ) )منه، (( والرجاء، والإخلاص، والصبر على أوامره ونواهيه ) )كذلك الصبر على طاعته، والصبر عن معصيته، والصبر على المكاره (( وإقراره ) )ـ تعالى ـ، أي: الإيمان بوجوده وجودًا حقيقيًّا، (( والرضا به ) )ربًّا، (( و ) )الرضى (( له ) )أي: لأجله، (( و ) )الرضى (( عنه ) ) {رضي الله عنهم ورضوا عنه} ، (( والموالاة فيه ) )في الله، (( والمعادات فيه ) ). هذا هو العنوان الذي كنا نتحدّث عنه يُعتبر قاعدة من قواعد الإيمان ـ أو قاعدة من قواعد العبادة، أو قسمًا من أقسام العبادة ـ: الموالاة في الله والمعادات في الله؛ أن تحب الشخص وتواليه، لا تحبه إلا لله وفي الله، وأن تعاديه لا تعاديه إلا في الله، لا لهوىً في النفس أو لأيِّ غرض آخر.

(( والإخبات إليه ) )الخضوع والتذلُّل لله ـ سبحانه وتعالى ـ.

(( والطمأنينة ) )عدم الشك في هذه المعاني كلها: في وجود الرب ـ سبحانه وتعالى ـ بأسمائه وصفاته وجميع ما يجب الإيمان به؛ الطمأنينة المراد بها: اليقين، أن يصل إيمانك إلى درجة اليقين، من فقد اليقين في إيمانه فهو مضطّرب، تجده يتقلّب، لكن من رزقه اليقين والطمأنينة في إيمانه مهما تقلّبت الدنيا وتقلّبت الأحوال واختلفت الناس ومهما أوذيَ لا يبالي؛ اليقين والطمأنينة النهاية في الإيمان.

(( ونحو ذلك من أعمال القلوب التي فرضها آكد من فرض أعمال الجوارح ) )لأنّ أعمال الجوارح إن لم تنبن على أعمال القلوب لا تُفيد شيئًا؛ وهي إنما تدلُّ على صحة أعمال القلوب: الصبر، والتوكُّل هذا من فرائض أعمال القلوب آكد من فرض أعمال الجوارح كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم، لأنّ هذه الأعمال ـ أعمال الجوارح ـ وإنْ كانتْ فرضًا وواجبًا قد تدخلها أشياء كعدم الإخلاص وحب الرياء، لا تُجدي، لكنّ الأساس: أعمال القلوب.

(( ومستحبها ) )ومستحب أعمال القلوب (( إلى الله ـ تعالى ـ أحب من مستحب أعمال الجوارح ) )إطالة الصلاة، طول القيام، طول الركوع، طول السجود من المستحبّات من عمل الجوارح، لكن أعمال القلوب المستحبّات حضور القلب، والخشوع في الصلاة هذه أحب إلى الله من الصلاة التي ليس فيها هذه المعاني؛ الأساس في كلِّ، في الإيمان وفي العبادة أعمال القلوب؛ لذلك: ينبغي الإكثار من النظر في الكتب التي تشرح لكم أعمال القلوب وتحثُّ عليها في مقدِّمة ذلك: كتب ابن القيِّم كـ (( مفتاح دار السعادة ) (( طريق الهجرتين ) )، وبعد الأبواب في كتيِّب (( الفوائد ) )كتابٌ عظيم، و (( بدائع الفوائد ) )له

ـ أيضًا ـ، (( مدارج السالكين ) )هذه الكتب تسمى كتبًا روحيّة لأنها تهتم بأعمال القلوب، وكان بعض مشايخنا يقول: (لا ينبغي أن تخلوَ مكتبة طالب علم من كتاب الفوائد) ؛ هذا الكتاب لكثرة مداولته بين الطلاّب وقد يكون مقرَّرًا في بعض مراحل الثانوية مطالعة، على طلاّب المرحلة الثانوية الذين لا يفهمون، ... ، الاستفادة منه ضئيلة، لكن في مستواكم الآن لو أمعنتم النظر في هذا الكتيِّب فيه فوائد عظيمة جدًّا؛ عليكم به.

(( وأما أعمال الجوارح فكالصلاة، والجهاد، ونقْل الأقدام إلى الجمعة والجماعات ) )أي: المشي والخطوات من الجمعة والجماعات، كذلك الخطوات في طلب العلم من هذا القبيل خصوصًا العلم الواجب.

(( ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق ونحو ذلك ) ). الإحسان إلى الخلق قد يكون إحسانًا ماديًّا كأن تحسن إليهم بمالك، أو إحسانًا معنويًّا تحسن إليهم بعلمك وحسن المعاملة، ولو تَبُشُّ في وجه أخيك المسلم، كلُّ هذا من الإحسان؛ الإحسان كثير، أنواع.

قال المؤلِّف ـ رحمه الله تعالى ـ: (( فقول العبد في صلواته: {إياك نعبد} التزام أحكام هذه الأربعة وإقرارٌ بها ) ). التزام قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح؛ {إياك} وحدك {نعبد} بهذه العبادات التي تقدّم شرحها، التزامٌ بذلك.

(( وقوله: {وإياك نستعين} طلب الإعانة عليها ) )على هذه القواعد وعلى هذه العبادات، (( و ) )طلب (( التوفيق لها ) )اعترافًا من العبد بأنه لا يستطيع أن يعمل ويعبد الله لا بلسانه ولا بقلبه ولا بجوارحه إلا بتوفيق من الله وإعانة.

هذا الكلام الذي تقدّم كله في تحقيق: {إياك نعبد وإياك نستعين} ؛ من فهم مقام

{إياك نعبد وإياك نستعين} وتدبّر ونظر في كلام أهل العلم الذين يحلِّلون هذا المعنى يُدرك أنّ العبادات كلها راجعة إلى هاتين الجملتين: {إياك نعبد وإياك نستعين} : إخلاص العبادة لله ـ تعالى ـ في {إياك نعبد} ، والاعتراف بالعجز وعدم الحوْل والقوة وطلب الاستعانة من الله في عبادته وفي كلِّ شيء.

(( وقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} متضمِّنٌ للأمرين ) )متضمِّنٌ لالتزام أحكام تلك العبادة والإقرار بها، ومتضمِّنٌ لطلب العون والاستعانة من الله.

(( على التفصيل الذي تقدم ) )على التزام العبادة، على طلب العون.

(( وإلهام القيام بهما ) )إلهام القيام بالتزام العبادة وبالتزام طلب العون من الله ـ تعالى ـ.

(( وسُلوك طريق السالكين إلى الله ) )السالكون إلى الله ـ في لغة المقريزي ولغة ابن القيِّم ولغة أهل السنة ـ: الساعون إلى الله ـ تعالى ـ على ضوء الكتاب والسنة. هذه العبارة في الأصل عبارةٌ صوفية، عبارة التصوِّفة ـ السالك، السالكون ـ بمعنى: السائرون؛ ولكن ابن القيِّم لَمّا هذّب (( منازل السائرين ) )... ، وإن استعمل هذه الألفاظ أحيانًا لكن لا يريد بذلك اصطلاح المتصوِّفة ولكنه يريد اصطلاح أهل السنة.

(( والله وحده الموفِّق بمنِّه وكرمه. والحمد لله وحده، وصلى الله على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ووارثيه وحزبه ) )ثم قال المؤلِّف ـ رحمه الله ـ: (( تم الكتاب. والحمد لله أوّلًا وآخرًا ) ). فنسأل الله له المثوبة على ما قدّم، كما نسأل الله ـ تعالى ـ أن ينفعنا بما عَلِمْنا وبما دَرَسْنا، ونسأل الله ـ تعالى ـ أن يثيب من اقترح أن يُدْرَس هذا الكتاب؛ فالفضل لله ـ سبحانه وتعالى ـ أولًا وأخرًا؛ ونسأل الله ـ تعالى ـ أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت