الصفحة 81 من 89

يقولُ: وهكذا روى بعضُ أهلِ العلْمِ مِن أصحابِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ وغيرُهم، أنهم شَدَّدُوا أن يُفَسَّرَ القرآنُ بغيرِ عِلْمٍ, تَشَدَّدُوا في ذلك، وأما الذي رُوِيَ عن مجاهِدٍ وقتادةَ وغيرِهما مِن أهلِ العلْمِ، أنهم فَسَّرُوا القرآنَ؛ فليس الظنُّ بهم أنهم قالوا في القرآنِ وفَسَّرُوهُ بغيرِ عِلْمٍ أو مِن قِبَلِ أنفُسِهم. إذا عَلِمْنا بأنَّ مجاهِدًا فَسَّرَ القرآنَ كُلَّه، وأنَّ قَتادةَ يقولُ: إنه ما في القرآنِ آيةٌ إلا وقد عَلِمَ فيها شيئًا، فهل نقولُ: إنهم تَخَبَّطُوا في القرآنِ؟! يُنَزَّهُونَ عن ذلك، يَحْمِلُهم وَرَعُهم على ألا يَتَخَبَّطُوا في القرآنِ.

يقولُ: وقد رُوِيَ عنهم ما يَدُلُّ على ما قلنا؛ أنهم لم يَقولوا مِن قِبَلِ أنفُسِهم بغيرِ عِلْمٍ، وإنما تَكَلَّمُوا بالعلْمِ، تَكَلَّمُوا بما فَتَحَ اللهُ تعالى عليهم، أو أَخَذُوهُ عن الصحابةِ الذين أَخَذُوا القرآنَ، وأَخَذُوا مَعانيَهُ عن نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، فمَن قالَ في القرآنِ برأيِهِ فقد تَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ له به، وعلى ذلك يُحْمَلُ ما رُوِيَ عن قتادةَ أنه قالَ: خَلَقَ اللهُ النجومَ لثلاثةٍ: زِينةً للسماءِ، ورُجومًا للشياطينِ، وعلاماتٍ يُهْتَدَى بها، فمَن تَكَلَّفَ فيها غيرَ ذلك أَخطأَ وأضاعَ نَصيبَه، وتَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ له به. أَخَذَ ذلك مِن الآياتِ القرآنيَّةِ، فدَلَّ على أنَّ مَن تَأَوَّلَ في النجومِ غيرَ ما ذَكَرَ اللهُ تعالى في القرآنِ فإنه تَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ له به، وسَلَكَ غيرَ ما أُمِرَ به، أُمِرَ بأن يَقتصِرَ على ما يَعْلَمُ ويَتْرُكَ ما لا عِلْمَ له به؛ حتى لا يَتَعَرَّضَ لهذا الوعيدِ الذي قالَ فيه: (( فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) )؛ وذلك لأنَّ القرآنَ لا شَكَّ أنَّ له معانيَ، وأننا مأمورونَ بأن نَتَعَلَّمَ مَعانيَهُ، وأن نَتَعَقَّلَها؛ لقولِ اللهِ تعالى: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ} ، ولقولِ اللهِ تعالى: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} ، أَخْبَرَ بأنه بيانٌ، يعني: أنه مُبَيَّنٌ لهم.

يقولُ:"فلو أنه أصابَ المعنى في نفْسِ الأمرِ لكان قد أَخْطَأ"كيف يكونُ أخطأَ؟ لأنه تَكَلَّمَ وهو لم يكنْ مِن أهلِ الكلامِ، وفَسَّرَ وهو لم يكنْ مِن أهلِ العلْمِ بالتفسيرِ؛ لأنه لم يَأْتِ الأمرَ مِن بابِه، فهو كمَن حَكَمَ بينَ الناسِ على جَهْلٍ، فهو في النارِ؛ للحديثِ الصحيحِ أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ قالَ: (( الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ: رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِخِلَافِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ ) )، يعني: جَعَلَ اثنينِ في النارِ وواحدًا في الجنةِ، أَخَذَ ذلك بعضُ الشعراءِ في قولِه:

أوَمَا سَمِعْتَ بأنَّ ثُلُثَيْهِمْ غَدا في النارِ في ذاك الزمانِ الخالِي

وزمانُنا هذا فرَبُّكَ عالمٌ هلْ فيه ذاكَ الثلُثُ أمْ هو خالِي

يقولُ: فهو كمَنْ حَكَمَ بينَ الناسِ على جَهْلٍ، فهو في النارِ؛ وإنْ وَافَقَ حُكْمُه الصوابَ في نفْسِ الأمرِ، يعني: ولو كان قد أصابَ في نفْسِ الأمرِ، لكن يكونُ أَخَفَّ جُرْمًا ممن تَخَبَّطَ وأَفْتَى بغيرِ الحقِّ، سواءٌ كان فُتْيَا أو حُكْمًا أو تَفسيرًا، فإنه إذا أصابَ فإنه يُقالُ له: أخطأَ؛ للحديثِ الذي مَرَّ بنا: (( مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ ) )، ولكنه أَخَفُّ جُرْمًا مِن الذي أَفْتَى فأخطَأَ، أَفْتَى بغيرِ علْمٍ فأَخْطَأَ، فيكونُ عندَنا: مَن أَفْتَى بغيرِ عِلْمٍ فأصابَ، مَن أَفْتَى بغيرِ عِلْمٍ فأَخْطَأَ، مَن أَفْتَى بعِلْمٍ فأصابَ، مَن أَفْتَى بعلْمٍ فأَخْطَأَ. فهذه أقسامٌ أربعةٌ: الذي أَفْتَى بعلْمٍ فأصابَ له أجرانِ، والذي أَفْتَى أو اجْتَهَدَ بعلْمٍ فأَخطأَ له أَجْرٌ، أي: أَجْرُ الاجتهادِ؛ لأنه مِن أهلِ الاجتهادِ، والذي لم يكنْ مِن أهلِ الاجتهادِ فأَفْتَى وأَخْطَأَ؛ عليه جُرمانِ، والذي أصابَ وهو ليس مِن أهلِ الاجتهادِ عليه جُرمٌ، عليه ذَنْبٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت