فهرس الكتاب
تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} ، فقالَ: هذه الفاكهةُ قد عَرَفْناها, فما الأَبُّ؟ ثم رَجَعَ إلى نفْسِه وقالَ: إنَّ هذا لهُوَ التَّكَلُّفُ يا عمرُ، يعني: لماذا تَسألُ؟ الأبُّ قد ذَكَرَه اللهُ تعالى، وذَكَرَ أنه نباتٌ، ولكن لا نَسألُ عنه، وإنْ كانت الكلمةُ عربيَّةً.
وقالَ عبدُ بنُ حُميدٍ، وله أيضًا تفسيرٌ: حدثنا سليمانُ بنُ حربٍ قالَ: حدثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أَنَسٍ قالَ: كنا عندَ عمرَ بنِ الخطابِ، وفي ظَهْرِ قميصِه أربعُ رِقاعٍ، فقرأَ {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} ، فقالَ: ما الأبُّ؟ ثم قالَ: إنَّ هذا لهُوَ التَّكَلُّفُ، فما عليك ألا تَدْرِيَهُ؟!، فهكذا روى أَنَسٌ عن عمرَ رَضِيَ اللهُ عنه، ذَكَرَ أنهم كانوا عندَ عمرَ، وكان خَليفةً، ومع كونِه خليفةً فإنه كان زاهدًا، ولذلك لا يَخْلَعُ الثوبَ حتى يُرَقَّعَ بعِدَّةِ رِقاعٍ، فهاهنا ذَكَرَ أنَّ في قميصِه أربعَ رِقاعٍ، يعني: إذا تَمَزَّقَ جَعَلَ فيه رُقعةً ثم رُقعةً، حتى رُوِيَ في بعضِ الأحاديثِ أنه لَبِسَ قميصًا فيه أربعَ عشرةَ رقعةً، مع قُدرتِه على أن يَلْبَسَ ثيابًا جُدُدًا. تَوَرَّعَ في هذا، وقالَ: ما يَضُرُّكَ أن تَجهلَه؟! ما عليك ألا تَعْرِفَ الأبَّ؟!.
يقولُ: وهذا كلُّه محمولٌ على أنهما رَضِيَ اللهُ عنهما إنما أَرَادَا استكشافَ عِلْمِ كيفيَّةِ الأبِّ, وماهيَّتِهِ، وإلا فكونُه نَبْتًا مِن الأرضِ ظاهرٌ, لا يُجْهَلُ. يعني: يَتَحَقَّقُ أنَّ الأبَّ نباتٌ؛ لأن اللهَ تعالى قالَ: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} ، فكلُّ هذه نباتاتٌ، وكلُّها معروفةٌ، وأكثرُ الْمُفَسِّرِينَ على أنه: الأعشابُ، العُشْبُ المختلِفُ الذي تأكلُه الدوابُّ.
وقالَ ابنُ جريرٍ: حدثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، أنَّ مشايخَه قالوا له: الدوركيُّ في الظاهرِ، قالَ: حدثنا ابنُ عُلَيَّةَ، يعني: إسماعيلُ، عن أيوبَ السختيانيِّ، عن ابنِ أبي مُليكةَ، أنَّ ابنَ عباسٍ سُئِلَ عن آيةٍ لو سُئِلَ عنها بعضُكم لقالَ فيها، مع أنَّ ابنَ عباسٍ قد فَتَحَ اللهُ تعالى عليه، ومع ذلك تَوَقَّفَ في هذه الآيةِ؛ يقولُ: آيةٌ مِن القرآنِ لو سُئِلَها أحدُكم لتَجَرَّأَ وقالَ فيها وأَفْتَى فيها بما يَراهُ، ومع ذلك تَوَقَّفَ فيها ابنُ عباسٍ، فأبى أن يقولَ فيها. هذا إسنادٌ صحيحٌ.
ثم ذَكَرَ أيضًا عن أبي عُبيدٍ قالَ: حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ وهو ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن ابنِ أبي مُليكةَ: سألَ رجُلٌ ابنَ عباسٍ عن قولِ اللهِ تعالى: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} فقالَ ابنُ عباسٍ: فما {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} ؟ فقالَ الرجلُ: إنما سألتُك لتُحَدِّثَني، فقالَ ابنُ عباسٍ: هما يومانِ ذكرَهما اللهُ تعالى في كتابِه، اللهُ أعلَمُ بهما. فكَرِهَ أن يقولَ في كتابِ اللهِ ما لا يَعلمُ، ولا شَكَّ أنَّ ظاهِرَ السياقِ يَدُلُّ على أنه يومُ القِيامةِ؛ لأن اللهَ تعالى قالَ: {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} أي: ذلك اليومُ الذي هو يومُ القيامةِ، وقالَ أيضًا في سورةِ المعارِجِ: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا} ، يعني: ذلك اليومُ الذي مِقدارُه خمسونَ ألفَ سنةٍ، يَستبعدونَه ويَظُنُّونَ أنه لا يأتي، {وَنَرَاهُ قَرِيبًا} أي: نرى أنه قريبٌ، ونُخْبِرُ بأنه قريبٌ، يعني: يأتي قريبًا: {إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ} .
وقد تَكَلَّمَ العلماءُ على هذين اليومينِ، فمنهم مَن يقولُ: إنَّ هذا الطولَ؛ طولٌ بِحَسَبِ ما يُقَدِّرُه بعضُ الناسِ. يعني: بعضُ الناسِ يكون هذا يومًا طويلًا عليه، بحيث إنه يَرَى أنه قَدْرُ خمسينَ ألْفَ سنةٍ، وبعضُهم يَرى أنه قَدْرُ أَلْفِ سنةٍ، وذَكَرَ بعضُ الْمُفَسِّرِينَ؛ كصاحبِ الجَلاَّلينِ: أنه أَخَفُّ على المؤمنينَ مِن صلاةٍ مكتوبةٍ، يعني: لا يُحِسُّ بطولِه، قالوا: لأن أيامَ الْحُزْنِ طِوالٌ، وأيامَ الفرَحِ قِصارٌ، بمعنى: أنَّ الإنسانَ يَستطيلُ اليومَ الذي يكونُ فيه مُعَذَّبًا، يَستطيلُ انتهاءَ ذلك اليومِ. إذا كان مَثَلًا في سِجنٍ أو في عذابٍ فإنه يَستطيلُ اليومَ، بل يَستطيلُ الساعةَ، فتكونَ عندَه كأنها أيامٌ، أو كأنها أشْهُرٌ، بخِلافِ أيامِ الفرَحِ وأيامِ السرورِ،