فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 339

وعَنْ عَلِيِّ بن الحسين: أنّه رأى رَجُلًا يَجيء إِلى فُرْجَةٍ كانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِي صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ فَيَدْخُلُ فِيها فَيَدْعو، فَنَهَاهُ وقالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبي عَنْ جَدّي عَنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم قالَ: (( لا تَتَّخِذوا قَبْري عِيدًا، ولا بُيوتَكُم قُبورًا، وَصَلّوا عَلَيّ؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلغُني أَيْنَ كُنْتُم ) )رواه في المختارة (8) .

فيهِ مسائل:

الأولى: تفسيرُ آيةِ بَراءَة.

الثانية: إبعاده أمَّتَهُ عَنْ هذا الحمى غَايةَ البُعدِ.

الثالثة: ذِكْرُ حِرْصِهِ عَلَينا ورَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ.

الرابعة: نَهْيُهُ عَنْ زيارَةِ قَبْرِهِ علَى وَجْهٍ مَخْصوصٍ مَعَ أَنَّ زيارَتَهُ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ.

الخامسة: نَهْيُهُ عَنِ الإِكثارِ مِنْ الزِّيارَةِ.

السادسةُ: حَثُّه عَلَى النَّافِلَةَ في البَيْتِ.

السابعة: أَنَّهُ مُتَقَرِّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لا يُصَلّى في المقْبَرَةِ.

الثامنة: تعليلُه ذلِكَ بأنَّ صلاةَ الرَّجُلِ وسَلامَهُ عَلَيْهِ يُبْلِغُهُ وإِن بَعُدَ، فَلا حاجَةَ إِلى ما يَتَوَهّمُهُ مَنْ أَرادَ القُربَ.

التاسعة: كَوْنُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فِي البَرْزَخِ تُعرَضُ عليهِ أعمالُ أُمَّتِهِ فِي الصلاةِ والسَّلامِ عَلَيْهِ.

(1) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (بابُ ما جاءَ أنَّ الغُلُوَّ فِي قُبورِ الصَّالِحينَ يُصَيِّرُها أَوْثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) .

روى مَالكٌ في الْمُوطَّأِ، أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيْهِ وسلَّمَ قالَ: (( اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) )).

هذا الحديثُ رواهُ مالِكٌ مُرسَلًا عنْ زيدِ بنِ أسلَمَ، عنْ عطَاءِ بنِ يَسارَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ، الحديثَ. ورواهُ ابنُ أبي شَيْبَةَ في مصنَّفِهِ عن ابنِ عَجْلانَ عنْ زيدِ بنِ أسْلَمَ بِهِ، ولمْ يَذْكُرَ عطاءً. ورواهُ البزَّارُ عنْ زيدٍ عنْ عطاءٍ عنْ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ مرفوعًا.

ولهُ شاهِدٌ عندَ الإِمامِ أحمدَ بِسَنَدِهِ عنْ سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ، عنْ أبيهِ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: (( اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) ).

قولُهُ: (رَوَى مالِكٌ في المُوَطَّأِ) ، هوَ الإمامُ مالِكُ بنُ أنسِ بنِ مالِكِ بنِ أبي عامِرِ بنِ عمرٍو الأَصْبحِيُّ، أبو عبدِ اللَّهِ المدَنِيُّ. إمامُ دارِ الهِجْرةِ، وأحدُ الأئِمَّةِ الأربعةِ، وأحدُ المُتْقِنِينَ للحديثِ، حتَّى قالَ البُخاريُّ: أصحُّ الأسانيدِ مالكٌ عنْ نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ. ماتَ سنَةَ تِسْعٍ وسبعينَ ومائةٍ. وكانَ مولِدُهُ سنةَ ثلاثٍ وتسعينَ، وقيلَ: أربَعٍ وتسعينَ. قالَ الواقِدِيُّ: بلَغَ تسعينَ سنةً.

قولُهُ: (اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ) ، قد استجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ، كمَا قالَ ابنُ القيِّمِ رحِمَهُ اللَّهُ تعالَى:

فَأجابَ رَبُّ العالَمِينَ دُعاءَهُ * وَأَحاطَهُ بثلاثَةِ الْجُدْرَانِ

حتَّى غدَتْ أرجاؤُهُ بِدُعائِهِ * في عِزَّةٍ وحمايَةٍ وصِيَانِ

ودلَّ الحديثُ على أنَّ قبرَ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لوْ عُبِدَ لكانَ وَثَنًا، لكنْ حَمَاهُ اللَّهُ تعالَى بما حالَ بينَهُ وبينَ النَّاسِ فلا يُوصَلُ إليهِ. ودلَّ الحديثُ على أنَّ الوثنَ هوَ ما يُبَاشِرُ العابِدُ مِن القبورِ والتوابيتِ التي عليها. وقدْ عَظُمَت الفتنةُ بالقبورِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت