فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 339

أيْ: من النهيِ عنه والوَعيدِ فيهِ، مَصْدَرُ تَطَيَّرَ يَتَطَيَّرُ تَطَيُّرًا، و (( الطِّيَرةُ ) )بكَسْرِ الطاءِ وفَتْحِ الياءِ؛ وقدْ تُسَكَّنُ: اسمُ مَصدَرٍ مِنْ تَطَيَّرَ طِيرَةً، وأَصْلُهُ التَّطَيُّرُ بالسوانِحِ والبوارِحِ من الطَّيْرِ والظِّباءِ وغيرِهما، وكان ذلكَ يَصُدُّهم عنْ مَقاصِدِهم، فنَفاهُ الشارِعُ وأَبْطَلَهُ، وأَخْبَرَ أنَّهُ لا تَأثيرَ لهُ في جَلْبِ نَفْعٍ ولا دَفْعِ ضَرٍّ.

قالَ الْمَدائنيُّ: (( سَأَلْتُ رُؤبَةَ بنَ الْعَجَّاجِ: ما السانِحُ؟ قالَ: ما وَلَّاكَ مَيامِنَهُ، قلتُ: فما البارِحُ؟ قالَ: وما وَلَّاكَ مَياسِرَهُ، والذي يَجيءُ منْ أَمامِكَ فهوَ الناطِحُ والنَّطِيحُ، والذي يَجيءُ منْ خَلْفِكَ هوَ القاعِدُ والقَعِيدُ ) ).

ولَمَّا كانت الطِّيَرَةُ من الشرْكِ الْمُنافِي لكَمالِ التوحيدِ الواجبِ لكونِها منْ إلقاءِ الشيطانِ وتَخويفِهِ ووَسْوَسَتِهِ ذَكَرَها الْمُصَنِّفُ في كتابِ التوحيدِ تَحذيرًا مِمَّا يُنَافِي كَمالَ التوحيدِ الواجِبَ.

(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وقولِ اللَّهِ تعالَى: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] ) ذَكَرَ تعالَى هذه الآيَةَ في سِياقِ قولِهِ تعالَى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ} الآيَةَ، المعنَى: أنَّ آلَ فِرعونَ كانوا إذا أَصَابَتْهم الْحَسَنَةُ - أي: الْخَصْبُ والسَّعَةُ والعافيَةُ، كما فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وغيرُهُ - قالُوا: لنا هذه، أيْ نحنُ الَجَدِيرونَ والحَقِيقُون بهِ، ونحنُ أَهْلُهُ، وإن تُصِبْهُم سَيِّئَةٌ - أيْ: بَلاءٌ وقَحْطٌ - تَطَيَّرُوا بموسَى ومَنْ مَعَهُ، فيَقولونَ: هذا بِسَبَبِ مُوسَى وأصحابِهِ أَصابَنَا بشُؤْمِهم، فقالَ اللَّهُ تعالَى: (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهُ) ، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ:"طائرُهم: ما قَضَى عليهم وقَدَّرَ لهم"وفي روايَةٍ:"شُؤْمُهم عندَ اللَّهِ ومِنْ قِبَلِهِ"؛ أيْ: إنَّمَا جاءَهم الشؤْمُ منْ قِبَلِهِ بكُفْرِهم وتَكذيبِهم بآياتِهِ ورُسُلِهِ.

قولُهُ: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون) ؛ أيْ: أَكْثُرُهم جُهَّالٌ لا يَدْرُونَ، ولوْ فَهِمُوا وعَقَلُوا لعَلِمُوا أنَّهُ ليسَ فيما جاءَ بهِ موسَى عليهِ السلامُ إلَّا الخيرُ والبَرَكَةُ، والسعادةُ والفَلَاحُ، لِمَنْ آمَنَ بهِ واتَّبَعَهُ.

(3) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وقولِهِ تعالَى: {قالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} الآيَةَ [يس: 19] ) . المعنَى - واللَّهُ أَعْلَمُ: حَظُّكُم وما نَابَكُم منْ شَرٍّ معكم؛ بسَبَبِ أَفعالِكم وكُفْرِكم ومُخَالَفَتِكم الناصحينَ، ليسَ هوَ منْ أَجْلِنا ولا بسَبَبِنا، بلْ بِبَغْيِكم وعَدَاوَتِكُم، فَطَائِرُ الباغِي الظالِمِ معه، فما وَقَعَ بهِ من الشَّرِّ فهوَ سبَبُهُ الجالِبُ لهُ، وذلكَ بقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، وحِكمتِهِ وعَدْلِهِ، كما قالَ تعالَى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35 - 36] ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المعنَى: طائِرُكُم معكم؛ أيْ: راجعٌ عليكم، فالتَّطَيُّرُ الذي حَصَلَ لكم إنَّمَا يَعودُ عليكم، وهذا منْ بابِ القِصاصِ في الكلامِ، ونَظيرُهُ قولُهُ عليهِ السلامُ: (( إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ ) )، ذَكَرَهُ ابنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ.

قولُهُ تعالَى: {أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ} أيْ: مِنْ أَجْلِ أَنَّا ذَكَّرْناكم وأَمَرْنَاكُمْ بتَوحيدِ اللَّهِ قَابَلْتُمُونا بهذا الكلامِ {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} ، وقالَ قَتادةُ: أإنْ ذَكَّرْنَاكُمْ باللَّهِ تَطَيَّرْتُم بنا؟.

ومُناسَبَةُ الآيَتَيْنِ للتَّرجمةِ: أنَّ التَّطَيُّرَ مِنْ عَمَلِ أهلِ الجاهليَّةِ والْمُشرِكينَ، وقدْ ذَمَّهُم اللَّهُ بهِ ومَقَتَهُم، وقدْ نَهَى رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن التَّطَيُّرِ وأَخْبَرَ أنَّهُ شِرْكٌ، كما سيأتي في أحاديثِ البابِ.

(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (عَنْ أَبِي هُريْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ ) )أَخْرَجَاهُ، زادَ مُسلِمٌ: (( ولا نَوْءَ، وَلَا غُولَ ) ).

قالَ أبو السَّعَادَاتِ: (الْعَدْوَى) : اسمٌ من الإِعداءِ، كالرَّعْوَى، يُقالُ: أَعداهُ الداءُ يُعْدِيهِ إِعداءً، إذا أَصابَهُ مِثْلُ ما بِصَاحِبِ الداءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت