فهرس الكتاب
فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أَنَّ كَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ نَفَتْ هَذَا كُلَّهُ؛ لِمُنَافَاتِهِ لِمَدْلُولِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، فَأَثْبَتُوا مَا نَفَتْهُ مِن الشِّرْكِ، وتَرَكُوا مَا أَثْبَتَتْهُ مِن التَّوْحِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} . فَكُلُّ مَن اتَّخَذَ نِدًّا لِلَّهِ، يَدْعُوهُ مِنْ دونِ اللَّهِ، وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ وَيَرْجُوهُ لِمَا يُؤَمِّلُهُ منْهُم؛ مِنْ قَضَاءِ حَاجَاتِهِ وتَفْرِيجِ كُرُبَاتِهِ، كَحَالِ عُبَّادِ القُبُورِ والطَّوَاغِيتِ والْأَصْنَامِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُعَظِّمُوهُم ويُحِبُّوهُم؛ لذلكَ فَإِنَّهُم أَحَبُّوهم مَعَ اللَّهِ وإِنْ كَانُوا يُحِبُّونَ اللَّهَ تَعَالَى، ويَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيُصَلُّونَ ويَصُومُونَ، فَقَدْ أَشْرَكُوا باللَّهِ في المَحَبَّةِ بِمَحَبَّةِ غَيْرِهِ وعِبَادَةِ غَيْرِهِ. فاتِّخَاذُهُم الْأَنْدَادَ يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللَّهِ يُبْطِلُ كُلَّ قَوْلٍ يَقُولُونَهُ، وَكُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُونَهُ؛ لِأَنَّ المُشْرِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَمَلٌ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ. وهؤلاءِ وإِنْ قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ تَرَكُوا كُلَّ قَيْدٍ قُيِّدَتْ بِهِ هَذِهِ الكَلِمَةُ العَظِيمَةُ؛ مِن العِلْمِ بِمَدْلُولِهَا؛ لِأَنَّ المُشْرِكَ جَاهِلٌ بِمَعْنَاهَا، وَمِنْ جَهْلِهِ بِمَعْنَاهَا جَعَلَ للَّهِ شَرِيكًا في المَحَبَّةِ وغَيْرِهَا، وَهَذَا هوَ الجَهْلُ المُنَافِي للعِلْمِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن الْإِخْلَاصِ، وَلَمْ يَكُنْ صَادِقًا في قَوْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْفِ مَا نَفَتْهُ مِن الشِّرْكِ، وَلَمْ يُثْبِتْ مَا أَثْبَتَتْهُ مِن الْإِخْلَاصِ، وتَرَكَ اليَقِينَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَرَفَ مَعْنَاهَا وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ لَأَنْكَرَهُ، أَوْ شَكَّ فِيهِ وَلَمْ يَقْبَلْهُ، وهوَ الحَقُّ، وَلَمْ يَكْفُرْ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دونِ اللَّهِ، كَمَا في الحَدِيثِ. بَلْ آمَنَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دونِ اللَّهِ باتِّخَاذِ النِّدِّ وَمَحَبَّتِهِ لهُ وعِبَادَتِهِ إِيَّاهُ مِنْ دونِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} ؛ لِأَنَّهُم أَخْلَصُوا لهُ الحُبَّ فَلَمْ يُحِبُّوا إِلَّا إِيَّاهُ، ويُحِبُّونَ مَنْ أَحَبَّ، ويُخْلِصُونَ أَعْمَالَهُم جَمِيعًا للَّهِ، ويَكْفُرُونَ بِمَا عُبِدَ مِنْ دونِ اللَّهِ. فبهَذَا يَتَبَيَّنُ لِمَنْ وفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ وقَبُولِهِ دَلَالَةَ هذهِ الآيَاتِ العَظِيمَةِ عَلَى مَعْنَى شَهَادَةِ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَعَلَى التَّوْحِيدِ الذي هوَ مَعْنَاهَا الذي دَعَا إِلَيْهِ جَمِيعُ المُرْسَلِينَ، فَتَدَبَّرْ.
وقولُهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء: 57] الآيَةَ.] (1)
يَتَبَيَّنُ مَعْنَى هذهِ الآيَةِ بِذِكْرِ مَا قَبْلَهَا، وهيَ قولُهُ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56] .
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى: (قَلْ) يَا مُحَمَّدُ للمُشْرِكِينَ الذينَ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ: (ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ) مِن الْأَصْنَامِ والْأَنْدَادِ وارْغَبُوا إِلَيْهِم، فَإِنَّهُم لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُم؛ أيْ: بالكُلِّيَّةِ، (وَلَا تَحْوِيلًا) ؛ أيْ: وَلَا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلى غَيْرِكُم.
فإنَّ الذي يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ هوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الذي لَهُ الخَلْقُ والْأَمْرُ.
قَالَ الْعَوْفِيُّ: عن ابنِ عَبَّاسٍ في الْآيَةِ: كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ يَقُولُونَ: نَعْبُدُ المَلَائِكَةَ والمَسِيحَ وعُزَيْرًا، وهُم الذينَ يُدْعَوْنَ.