فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 299

وهذا ليس مِن بابِ التعليقِ، إنما أرادَ ذِكْرَ مَن تابَعَ راويَه الذي أسْنَدَه مِن طريقِه عليه أو أرادَ بيانَ اختلافٍ في السنَدِ كما يَفعَلُ أهْلُ الحديثِ، ويَدُلُّ على أنه ليس مَقصودُه بهذا إدخالَه في كتابِه أنه يَقَعُ في بعْضِ أسانيدِ ذلك مَن ليس هو في شرْطِ مسلِمٍ كعبدِ الرحمنِ بنِ خالدِ بنِ مسافِرٍ، وقد بَيَّنْتُ بَقِيَّةَ الْمَواضِعَ في الشرْحِ الكبيرِ.

وقولُه: (فإنْ يَجْزِمْ فصَحِّحْ) أيْ إنْ أتى به بصِيغةِ الجَزْمِ كقولِه: قالَ فُلانٌ، أو روى فُلانٌ. أو نحوَ ذلك فاحْكُمْ بصِحَّتِه عمَّن عَلَّقَه عنه؛ لأنه لا يَستجيزُ أنْ يَجْزِمَ بذلك عنه إلاَّ وقد صَحَّ عِنْدَه عنه، ثم الحُكْمُ بصِحَّةِ الحديثِ مُطْلَقًا يتَوَقَّفُ على ثِقَةِ رجالِه واتِّصالِه مِن موضعِ التعليقِ، فإنْ كان فيمَن أَبْرَزَه مَن لا يَحْتَجُّ به فليس فيه إلاَّ الْحُكْمُ بصِحَّتِه عمَّنْ أَسْنَدَ إليه كقولِ البُخارِيِّ: وقالَ بَهْزٌ عن أبيه عن جَدِّه، عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (( اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ ) ).

قالَ ابنُ الصَّلاحِ: فهذا ليس مِن شَرْطِه قَطْعًا، ولذلك لم يُورِدْه الْحُمَيْدِيُّ في جَمْعِه بينَ الصحيحينِ.

و (إنْ وَرَدَ مُمَرَّضًا) أيْ: أتى بصِيغَةِ التمريضِ كقولِه: ويُذْكَرُ، ويُرْوَى، ويُقالُ، ونُقِلَ، ورُوِيَ، ونحوِها، فلا تَحْكُمَنَّ بصِحَّتِه كقولِه: ويُرْوَى عن ابنِ عبَّاسٍ وجَرْهَدٍ ومحمَّدِ بنِ جَحْشٍ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: (( الْفَخِذُ عَوْرَةٌ ) )لأنَّ هذه الألفاظَ استعمالُها في الضعيفِ أكْثَرُ، وإن استُعْمِلَتْ في الصحيحِ، وكذا قولُه: وفي البابِ تُسْتَعْمَلُ في الأمرينِ معًا.

قالَ ابنُ الصَّلاحِ: ومع ذلك فإيرادُه له في أثناءِ الصحيحِ مُشْعِرٌ بصِحَّةِ أصْلِه إشعارًا يُؤْنَسُ به ويُرْكَنُ إليه، وحَمَلَ ابنُ الصلاحِ قولَ البُخارِيِّ: ما أَدْخَلْتُ في كتابِي الجامعِ إلاَّ ما صَحَّ. وقولَ الأئمَّةِ في الحكْمِ بصِحَّتِه على أنَّ المرادَ مَقاصِدُ الكتابِ وموضوعُه ومُتونُ الأبوابِ دُونَ التراجِمِ ونحوِها.

(44) وإنْ يَكُنْ أوَّلُ الإسنادِ حُذِفْ معْ صِيغةِ الْجَزْمِ فتَعليقًا عُرِفْ

(45) ولو إلى آخَرِه أمَّا الذي ... لشيخِهِ عَزَا بِقَالَ فكَذِي

(46) عَنْعَنَةٍ كخَبَرِ الْمَعَازِفِ ... لا تُصْغِ لابْنِ حزْمٍ الْمُخَالِفِ

هذا بيانٌ لحقيقةِ التعليقِ، والتعبيرُ به موجودٌ في كلامِ الدارقُطنيِّ والْحُمَيْدِيِّ في الجمْعِ بينَ الصحيحينِ وهو أنْ يَسْقُطَ مِن أوَّلِ إسنادِ البخاريِّ أو مسلِمٍ مِن جِهَتِه راوٍ فأكثَرَ ويُعْزَى الحديثَ إلى مَن فَوْقَ المحذوفِ مِن رُواتِه بصيغَةِ الجزْمِ كقولِ البخارِيِّ في الصوْمِ: وقالَ يَحْيَى بنُ كثيرٍ عن عمرَ بنِ الحكَمِ بنِ ثَوبانَ عن أبي هُريرةَ قالَ:"إذا قاءَ فلا يُفْطِرْ". وكقولِ مسلِمٍ في التَّيَمُّمِ: ورَوَى الليْثُ بنُ سَعْدٍ فذَكَرَ حديثَ"أَقْبَلَ مِن نحوِ بِئْرِ جَمَلٍ"الحديثَ. وقد تَقَدَّمَ.

قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وكأنَّ التعليقَ مَأخوذٌ مِن تعليقِ الْجِدارِ وتَعليقِ الطلاقِ ونحوِه، لِمَا يَشْتَرِكُ الجميعُ فيه مِن قَطْعِ الاتِّصالِ قالَ: ولم أَجِدْ لفْظَ التعليقِ مُسْتَعْمَلًا فيما سَقَطَ منه بعضُ رجالِ الإسنادِ مِن وَسَطِه أو مِن آخِرِه ولا فيما ليس فيه جَزْمٌ كيُرْوَى ويُذْكَرُ.

قلتُ: استَعْمَلَ غيرُ واحِدٍ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ التعليقَ في غيرِ المجزومِ به، منهم الحافِظُ أبو الحجَّاجِ الْمِزِّيُّ، كقولِ البخارِيِّ في بابِ مَسِّ الْحَريرِ مِن غيْرِ لُبْسٍ، ويُرْوَى فيه عن الزُّبَيْدِيِّ عن الزُّهْرِيِّ عن أنَسٍ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ. ذَكَرَه في الأطرافِ، وعَلَّمَ عليه عَلامَةَ التعليقِ للبُخارِيِّ.

وقولُه: ولو إلى آخِرِه، أيْ: ولو حَذَفَ الإسنادَ إلى آخِرِه واقْتَصَرَ على ذِكْرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ في الحديثِ المرفوعِ أو على الصحابِيِّ في الموقوفِ كقولِه في العلْمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت