فهرس الكتاب
قوله تعالى: ... {إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} (17: 1) فيه سؤالان، أحدهما أن قوله: «الأقصى» يستدعي وجود قاص، ولم يكن إلا المسجد الحرام وبيت المقدس.
السؤال الثاني: قوله: «باركنا» ولم يقل: بارك على سياق ما تقدم من خطاب الغيبة في «أسرى بعبده» ، فلم عدل عن ذلك.
والجواب عن الأول من وجهين: الأول: أن أفعل هاهنا بمعنى فاعل، لتعذر أفعل. والأحسن أن يقال: هذا من باب وصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه، نحو «فبشرناه بغلام حليم» فإنه سيصير الغلام حليمًا، والمسجد أقصى وغيره قاصيًا.
وعن الثاني: أن هذا النوع يسمى تلوين الخطاب، وهو
[فوائد في مشكل القرآن: 158]
الخروج من التكلم إلى الغيبة أو بالعكس، أو من الخطاب إلى الغيبة و [قد] يكون لمعنى خاص بالمحل، ولمعنى عام، وهو: الاستراحة للنفس، وحلاوة [الكلام] لترصيعه بالمختلفات، والمعنى الخاص هو أن الحضور أعظم مهابة من الغيبة، فذكر الحضور تنبيهًا على قبح تكذيبهم.
وكذلك قوله عز وجل {إياك نعبد} وكان الأصل: إياه نعبد، لما تقدم من خطاب الغيبة لأن الخطاب أعظم من الغيبة، لأن المعبود الحاضر، والمستعان به بالحاضر ليس كالغائبين.
قوله تبارك وتعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} (17: 7) .
المراد بالإحسان الثاني، والإساءة الثانية المحذوفة من اللفظ غير الأول، والتقدير: إن أحسنتم بالطاعة في الدنيا أحسنتم لأنفسكم في الآخرة بالجزاء، وكذلك الإساءة.
[فوائد في مشكل القرآن: 159]
قوله تبارك وتعالى: {فإذا جاء وعد الآخرة ليسئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة} (17: 7) .
معنى الآخرة، أي: المرة الآخرة التي هي إحدى المرتين السابق ذكرهما. وجواب هذا الشرط محذوف، تقديره: بعثنا، دل عليه الجواب السابق، وهو قوله تعالى: {بعثنا عليكم عبادا لنا} (17: 5) .
سؤال: كيف يحسن أن يرتب على فساد بني إسرائيل دخول المسجد وهتك حرمته، لأن ذلك إن كان يؤلمهم فهذا مدح لهم، بكونهم يعز عليهم انتهاك الحرمات، والمدح لا يؤتى به في سياق الذم والعقاب. وإن لم يكن عقابًا مؤلمًا [لهم] ، فلا يحسن ترتيبه عقابًا على الفساد، إذ لا عقاب إلا بمؤلم.
والجواب: أنه ليس من هذا القبيل، بل ذكر ذلك ليعلمهم أن إفساد المسجد وانتهاك حرمته كان بسببكم وعصيانكم [فأنتم] المنتهكون للحرمة في الحقيقة، فعليكم وزر الهتك، فهذا إخبار لهم بزيادة العقاب.
[فوائد في مشكل القرآن: 160]
قوله تبارك وتعالى: {وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة} ... (17: 12) .
فيه سؤال: كيف يحسن استعمال الجعل هاهنا مع أن المجعول فيه، ينبغي أن يتصف قبل الجعل مع ضد المجعول كقولك: جعلت زيدًا قائمًا، فهو قبل ذلك كان متصفًا بضد القيام، وهاهنا لم يوجد المجعول فيه، فكيف يصبح استعمال الجعل فيه؟