فهرس الكتاب
وعن الثاني: أن التمام هاهنا من قولنا: تم على فلان كذا، أي وقع به، لا أنه كان ناقصًا فتكمل.
سورة مريم عليها السلام (19)
قوله عز وجل: {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} (19: 71) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد فتمسها النار إلا تحلة القسم.
فيه سؤالان. الأول: أن هذا يدل على أن كل أحد يدخل النار، وليس كذلك. فإنه قد ورد في الحديث الصحيح
[فوائد في مشكل القرآن: 177]
أنه يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب.
الثاني: أن قوله: «إلا تحلة القسم» إشارة إلى قوله: «حتما مقضيا» وأين القسم في هذه؟
والجواب عن الأول: أن «الورود» يطلق على الدخول كقوله: {لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها} ، ويطلق على الملابسة من غير دخول، كقوله: {ولما ورد ماء مدين} ولم يدخل البئر، لأنه مأخوذ من الوريدين، لأنهما يمتدان عند شرب الماشية من الماء. وإذا كان كذلك، فالمراد بالورود هاهنا العبور على الصراط لأنه متن جهنم، والناس يمرون عليه.
والجواب عن الثاني: أن قوله عز وجل: «حتمًا مقضيًا» صيغة تأكيد، والقسم وضع لتأكيد المخبر عنه، فلما كان هذا توكيدًا أطلق [عليه] القسم تشبيهًا به.
[فوائد في مشكل القرآن: 178]
سورة طه صلى الله عليه وسلم (20)
قوله عز وجل: {قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى} (20: 18) .
لو قال موسى عليه السلام: هي عصا كان جوابا مطابقًا فلم زاد الإضافة؟ وما فائدتها؟ [وما] فائدة إخبار الله عز وجل بالجمل التي بعدها، مع أن الله سبحانه عالم بذلك. وما فائدة قوله سبحانه: {وما تلك بيمينك يا موسى} (20: 17) مع أنه يعلم ذلك، وموسى يعلم ذلك.
والجواب: أن الله سبحانه أراد أن يؤنسه بكلامه وكذلك جرت عادة العظماء إذا أرادوا تأنيس شخص يهابهم، سألوه عما يعلمونه وعما لا يعلمونه، وليس مقصودهم أن يخبرهم ويحصل لهم علم، بل لأجل تأنيسه فقط. وكذلك أنهم إذا اشتغلوا عنه فلم يسألوه شرع هو في حديث يتحيل على تحصيله حتى يحدثهم به ليحصل الإنس والشرف بحديثه معهم لاسيما من هو أعظم العظماء، وأكرم الكرماء. فلهذا بسط
[فوائد في مشكل القرآن: 179]
موسى عليه السلام القول في ذلك. وكذلك قوله: {واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي} (20: 29، 30)
«فأخي» هو بدل من هارون. والبدل إنما وضع في كلام العرب لرفع اللبس عن السامع، والسامع هاهنا لا يخفى عليه شيء فلم يأت به إلا تكثيرًا لسبب الأنس والشرف بكونه كليم الله سبحانه وتعالى.
وأما إضافة العصا، فلها معنى آخر يخصها، وهو أنه أراد أن يذكر أنه ينتفع بها فبين قبل ذلك أنها ملكه بالإضافة، لأنها تدل على الملك، إذ لو سكت عن الإضافة احتمل أن يكون غاصبًا لها.