فهرس الكتاب
مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي سُهَيْلِ بْنِِ أَبِي حَزْمٍ. وَهَكَذا رَوَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلمِ عَنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغْيرِهِم أنَّهُم شَدَّدُوا في أَنْ يُفَسَّرَ القُرْآنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ العِلمِ أنَّهُم فَسَّرُوا القُرْآنَ فَلَيْسَ الظَّنُّ بِهِم أنَّهُم قالُوا في القُرْآنِ، أَوْ فَسَّرُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِم. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُم مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا: إنَّهُم لَمْ يَقُولُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِم بِغَيْرِِ عِلْمٍ، فَمَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَقَدْ تَكَلَّفَ مَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَسَلَكَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَصَابَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِ الأَمْرِ لَكَانَ قَدْ أَخْطَأَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ الأَمْرَ مِنْ بَابِهِ، كَمَنْ حَكَمَ بَيْن النَّاسِ عَنْ جَهْلٍ فَهُو فَِي النَّارِ، وَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ الصَّوَابَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ، لَكِنْ يَكُونُ أَخَفَّ جُرْمًا مِمَّنْ أَخْطَأَ، وَاللهُ أَعْلَمُ."
وَهَكَذَا سَمَّى اللهُ - تَعَالى - القَذََفَةَ كَاذِبِينَ فَقَالَ: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [سُورَةُ النُّورِ: 13] ، فَالقَاذِفُ كَاذِبٌ وَلَوْ كَانَ قَدْ قَذَفَ مَنْ زَنَى فِي نَفْسِ الأَمرِ؛ لأنَّهُ أَخْبرَ بِمَا لاَ يَحِلُّ لَهُ الإِخْبَارُ بِهِ، وَتَكَلَّفَ مَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَلِهَذَا تَحَرَّجَ جَمَاعَةٌ مِن السَّلَفِ عَنْ تَفْسِيرِ مَا لاَ عِلْمَ لَهُمْ بِهِ، كَمَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ:"أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي؛ إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لَمْ أَعْلَمْ"، وَقَالَ أَبُو عُبَيَدٍ القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ العَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [سُورَةُ عَبَسَ: 31] فَقَالَ:"أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إَنْ أَنَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لاَ أَعْلَمُ"- مُنْقطِعٌ -
وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ أَيْضًا حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ حُمَيدٍ: عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ قَرأَ عَلَى الْمِنْبَرِ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} فَقَالَ:"هَذِهِ الفَاكِهَةُ قَدْ عَرَفْنَاها فَمَا هُوَ الأَبُّ؟"ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِِهِ فَقَالَ:"إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكلُّفُ يا عمرُ"
وَقَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِي ظَهْرِ قَمِيصِهِ أَرْبَعُ رِقَاعٍ فَقَرَأَ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} فَقَالَ:"وما الأبُّ؟"فَقَالَ:"إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكلُّفُ، فَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ تَدْرِيهِ؟"
وَهَذَا كُلُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - إِنِّمَا أَرَادَا اسْتِكْشَافَ مَاهِيَّةَ الأَبِّ، وَإِلاَّ فَكَوْنُهُ نَبْتًا مِن الأَرْضِ ظَاهِرٌ لاَ يُجْهَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا} .
وَقَالَ ابنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهيمَ قَالَ: حَدَّثَنا ابنُ عُليَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَن ابنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ آيَةٍ لَوْ سُئلَ عَنْهُا بَعْضُكُم لَقَال فِيها، فَأَبَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنا إِسْمَاعِيلُ بنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابنَ عبَّاسٍ عَنْ: {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 5] ، فَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ فَمَا: {يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} [سُورَةُ الْمَعَارِج: 4] ، فَقَالَ الرَّجلُ: إِنَّمَا سَأَلْتُكَ لِتُحَدِّثَني، فَقَالَ ابنُ عبَّاسٍ:"هُمَا يَوْمَانِ ذَكَرَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِهِمَا."فَكَرَِه أَنْ يَقُولَ فِي كِتَابِ اللهِ مَا لاَ يَعْلَمُ.
وَقَالَ ابنُ جَرِيرٍ: حَدَّثني يَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهيمَ قالَ: حدَّثَنا ابنُ عُليَّةَ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَن الْوَلِيدِ بنِ مُسْلِمٍ قَالَ: جَاءَ طَلْقُ بنُ حَبِيبٍ إِلَى جُنْدُبِ بنِ عَبْدِِ اللهِ فَسَألَهُ عَنْ آيَةٍ مِن القُرْآنِ فَقَالَ:"أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا لَمَا قُمْتَ عنِّي"أَوْ قالَ: أَنْ تُجَالِسَنِي.
وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا سُئلَ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِن القُرْآنِ قالَ:"إِنَّا لاَ نَقُولُ فِي القُرْآنِ شَيْئًا."
وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهُ كَانَ لاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ فِي الْمَعْلُومِ مِن القُرْآنِ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بنَ الْمُسيَّبِ عَنْ آيَةٍ مِن الْقُرْآنِ فَقَالَ: لاَ تَسْأَلْنِي عَن القُرْآنِ، وَسَلْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ."يِعْنِي عِكْرِمَةَ."
وَقَالَ ابنُ شَوْذَبَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بنُ أَبِي يَزِيدَ قالَ: كُنَّا نَسْأَلُ سَعِيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ عَن الْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ، فإِذَا سَأَلْنَاهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِن الْقُرْآنِ سَكَتَ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْ.
وقالَ ابنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ:"لَقَدْ أَدْرَكْتُ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ، وَإنَّهُم لَيُعَظِّمُونَ الْقَوْلَ فِي التَّفْسِيرِ، مِنْهُم سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَالقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ، وَسَعِيدُ ابْنُ المسيَّبِ، وَنَافِعٌ."
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ اللَّيثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ:"مَا سَمِعْتُ أَبِي تَأَوَّلَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ قطُّ."