فهرس الكتاب
فأغار صاحباه على النَّعَم فساقاه وهو ينشد الرعاء الشعر حتى علم أن صاحبيه قد فاتا ولحقهما فطلبتهم مراد فلم تلحقهم.
ومن غريب حديثه في شدة العَدْو ما حكاه أهل الأدب قالوا: أغار السليك على مراد فلم يحصِّل شيئًا فرجع فلما كان في الطريق وبينه وبين قومه ثلاثة أيام التقى مع جيش من بكر بن وائل يريدون غزو قومه بني تميم، فلما رأوه قال لهم رئيسهم: هذا سليك أمسكوه لئلا يذهب إلى قومه فينذرهم بكم فيستعيدوا فأرسلوا وراءه فارسين يطاردانه فعدا وطارداه بقية يومهما، وقالوا: لعله إذا جاء الليل يتعب فنلحقه، فلما كان مع الغروب وجداه قد عثر بأصل شجرة برية فَرَضَّها وندرت منها شظِية، فقالا: قاتله الله لعلنا نلحقه آخر الليل إذا أعيا فباتا يطردان وراءه، فلما كان عند الصباح وجداه قد جلس في مكان فبال فخدَّ أخدودًا في الأرض، فقالا: قاتله الله ما أشد متنه، والله لا نتبعه بعد هذا، ورجعا إلى الجيش ووصل هو إلى قومه فأنذرهم فسألوه عن موضع الجيش الذي لقيهم فيه فأخبرهم فكذبه قومه ولم يستعدوا وصدقه آخرون فارتحلوا واستعدوا، فقال السليك في ذلك:
يكذبني العَمْران عَمروُ بن جَنْدبٍ ... وعمروُ بن عمرو والمكذِّب أكذب ...
ثكِلتكما إن لم أكن قد رأيتها ... كتائب يُهديها إلى الموت موكب ...
كتائب فيها الحوْفَزان وحوله ... فوارسُ هَمَّام متى يَدْعُ يركبوا
فصبَّحهم الجيش في اليوم الثالث فاكتسحهم.
/21 وأما فُتَّاك العرب فثلاثة مشهورون وهم الحارث بن ظالم المري، وعمرو بن كلثوم التغلبي، والبَرَّاضُ بن قيس الكِناني.
الحارث بن ظالم
فأما الحارث بن ظالم المري ثم الغطفاني فإنه وفد على الأسود بن المنذر أخي النعمان بن المنذر ملك العرب فوجد عنده خالد بن جعفر سيد بني عامر فقدم لهما تمرًا فجعل خالد يأكل ويلقي النوى بين يدي الحارث عبثًا به ثم قال له: يا حارث ألا تشكر يدي عندك أن قتلت عنك سيد قومك زهيرًا وتركتك سيدهم، وكان خالد بن جعفر قتل زهير بن جذيمة العبسي سيد غطفان فقال له الحارث: سأجزيك شكر ذلك، فلما خرج الحارث قال الأسود لخالد: ما دعاك إلي أن تحترش بهذا الكلب وأنت ضيفي، فقال له خالد: إنما هو عبدي لو وجدني نائمًا ما أيقظني، وانصرف خالد إلى قبته فلامه عروة الرحال ابن أخيه ثم ناما وقد أسرجت عليهما القبة، وكان مع الحارث تبيع له من بني محارب فأعطاه