الصفحة 59 من 64

وحمل فحملوا معه فاقتتلوا قتالًا شديدًا وجُهدَ الخوارج فنادى مناديهم: ألا إن المهلب قد قتل فركب المهلب بِرْذَوْنًا وأقبل يركض بين الصفين وهو يصيح: أنا المهلب، فسكن الناس بعد أن ارتاعوا، وظنوا أن أميرهم قد قتل وَكلَّ الناسُ مع العصر فصاح المهلب بابنه المغيرة: تقدم ففعل، ونادى مولاه ذَكْوانَ أن قَدِّم رايتك ففعل، واجتلدوا أشد جلاد حتى إذا كان مع المساء قُتل أمير الخوارج ابن الماحوز فانهزموا وساروا إلى أرَّجان ولم يشعر المهلب بذلك وبات في عسكره يأمرهم بالاحتراس وأرسل جماعة يكشفون أمر الخوارج فرجعوا إليه وأخبروه بارتحالهم، فقال: إن هؤلاء الخوارج قد يئسوا منكم إلا من جهة البيات، فإن كان ذلك فاجعلوا شعاركم: (حم لا ينصرون) ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بها ثم غدا على القتلى فوجد فيهم أمير الخوارج، وقال شاعر من الخوارج في هذه الوقعة يرثي من قتل منهم:

بِسِلّى وسِلّيْرَى مَصَارِعُ فِتْيةٍ ... كرامٍ وجَرْحَى لَم توَسَّدْ خُدُودُها [1]

وضع الحركات

/78 واجتمعت الخوارج بأرَّجان وبايعوا أميرًا آخر وهو الزبير بن علي من بني سليط بن يربوع فخطبهم وشجعهم وتحملوا لمحاربة المهلب فنفحهم نفْحة فرجعوا وأكُمنوا للمهلب مائة في غمض من غموض الأرض ليقاتلوه قريبًا من عسكره فخرج المهلب يطوف على عسكره ويتفقده فوقف على جبل فقال: إن من التدبير لهذه المارقة أن تكون قد أكَمنت في سفح هذا الجبل كَمينًا، فبعث عشرةَ فوارس فاطلعوا على المائة، فلما علموا أنهم قد علموا بهم قطعوا القنطرة ونجوا وكسفت الشمس فصاحوا بهم: يا أعداء الله، لو قامت القيامة لجدَدْنا في جهادكم فيئسوا من المهلب، فذهبوا إلى ناحية أَصْبهان ثم كرروا راجعين إلى أَرَّجان، وقد جمعوا جمعًا عظيمًا، وكان المهلب يقول: كأني بهم وقد جمعوا لكم جموعًا فلا ترهبوهم فَتَخْبُثَ قلوبكُم، ولا تغْفَلُوا الاحتراس فيطمعوا فيكم، فجاءوه من أَرَّجان فألفَوْه مستعدًا آخذًا بأفواه الطرق فحاربوه فظهر عليهم ظهورًا بينًا، فقال شاعر تميمي من بني رياح بن يربوع:

سَقَى الله المهلَّبَ كُلَّ غَيْثٍ ... مِنَ الوَسْميِّ يَنْثَجِرُ انْثِجَارَا

وضع الحركات

فَمَا وَهَن المهلَّبُ يَوْمَ جَاءتْ ... عوابسُ خَيلهم تَبْغِي الغِوَارا

وضع الحركات

وقال المهلب يومئذٍ: ما وقعت في أمر ضيق من الحرب إلا رأيت أمامي رجالًا من بني الهُجيم بن عمرو بن تميم يجالدون وكأن لحاهم أذناب العقاعِق وكانوا صبروا معه في غير موطن وحمل يومئذٍ الحريش بن هلال التميمي على قيس الإكاف، وكان قيس من أشجع فرسان الخوارج فطعنه فدقَّ صلبه، وقال:

(1) وقال آخر:

بسلى وسليزى مصارع فتية ... كرام وعفري من كَمَيْتٍ ومن ورد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت