الصفحة 2 من 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ والصَّلاةُ والسَّلامُ علَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ وعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وبَعْدُ.

فإِنَّه مِن مُنْطَلَقِ سَعْيِ المُرَاقَبَةِ الثَّقَافِيَّةِ بقِطَاعِ مَسَاجِدِ مُحافَظَةٍ حَوْلِي لاستكمالِ أدواتِ الفَصَاحَةِ والبَلاغَةِ لَدَى الأَئِمَّةِ والخُطَباءِ، ولإثراءِ المَكْتَبَةِ في العَالَمِ الإسْلامِيِّ، وإزالَةِ ما يُعانِيهِ بعضُ طَلَبَةِ العِلْمِ في العَرَبِيَّةِ مِن الخَصَاصَةِ، أَخْرَجْتُ هذا النَّظْمَ اللَّطِيفَ ليَحْصُلَ بهِ النَّفْعُ.

فكلامُ العَرَبِ أَكْثَرُ مِن أَنْ يُحْصَى، ولُغَتُهُم ذَاتُ فروعٍ مُتَنَوِّعَةٍ كثيرةٍ، لذا انْتَخَبْنَا أَحَدَ شُعَبِهَا التي لا تَقِلُّ أَهَمِيَّةً وَوَزْنًا عَنْ غَيْرِها مِن صُنُوفِ كلامِهِم, وهي المُثَلَّثاتُ اللُّغَوِيَّةُ.

والمرادُ بالمُثَلَّثِ في اصْطِلاحِ اللُّغَوِيِّينَ، هو أنْ تُورَدَ ثَلاثُ حَرَكاتٍ لثلاثِ كَلِمَاتٍ تَتَشَابَهُ في الأَصْلِ والوَزْنِ وتَرْتِيبِ الحُروفِ وتَخْتَلِفُ في حَرَكَةِ فَاءِ الكَلِمَةِ أو عَيْنِها، وَقَدْ صُنِّفَتْ في هذا الفَنِّ كُتُبٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا"المُثَلَّثُ"لِمُحمدِ بنِ المُسْتَنِيرِ الشَّهِيرِ بقُطْرُبٍ, و"المُثَلَّثُ"لابنِ السَّيِّدِ البَطْلَيُوسِيِّ, و"الإعلامُ"لابنِ مَالكٍ, و"الدُّرَرُ"للفَيْرُوزِ أَبَادِيِّ رَحِمَهُم اللَّهُ تعالَى.

وإِفْرادُ هذا الفَنِّ بالتَّصْنيفِ قَدْ هَيَّجَ كَمِينَ قَرَائِحِ الشُّعَراءِ والعُلماءِ, فنَظَّمُوا فيه أنظامًا كثيرةً، منها هذا النَّظْمُ الذي نُقَدِّمُه، ومِن المُلاحَظِ فيهِ أَنَّه قَدْ تَابَعَ ابنَ المُسْتَنِيرِ في نَثْرِه للمُثَلَّثاتِ مُتَابَعَةً لَمْ تُمَيَّزْ فيها الأَخْطَاءُ المُنْتَقَدَةُ عليهِ، مِن جِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَمْنَعْهُ هذه المُتابَعَةُ مِن التَّعْوِيلِ علَى مَصَادِرَ أُخْرَى لعُلَمَاءَ سَبَقُوهُ، حَيْثُ ذَكَرَ منها الصِّحَاحَ في أَوَّلِ الأبياتِ, وأَعْقَبَ ذَلِكَ بذَكْرِ شَرْطِهِ في ضَبْطِ مُثَلَّثَاتِهِ, ثُمَّ شَرَعَ في سَرْدِهَا بأُسْلُوبٍ جَزْلٍ ومُوجَزٍ لذِيذٍ في مَشْرَبِهِ علَى حَدِّ تَعْبِيرِه، مُقْتَصِرًا فيه كلِّه علَى المُثَلَّثاتِ المُخْتَلِفَةِ المَعَانِي، وعليهِ لا يَجْمُلُ بطَالِبِ العِلْمِ والفَضَائِلِ إِهْمالُ حَفْظِهَا.

أَمَّا النَّاظِمُ فهو: بُرْهانُ الدِّينِ إِبْراهِيمُ بنُ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بنِ عِيسَى المَيْمُونِيُّ الأَزْهَرِيُّ الشَّافِعِيُّ، نَشَأَ في بيئَةٍ عِلْمِيَّةٍ حَسَنَةِ المَنْبَتِ، فأَبُوهُ مُحمدُ بنُ عِيسَى عَالِمٌ مُبْرَزٌ في أَهْلِ وَقْتِهِ، وقَدْ لازَمَهُ وبِه تَخَرَّجَ، ولَمْ يَزَلْ مُنْذُ صِغَرِهِ

مُكْتَسِيًا بِحِلْيَةِ الطَّلَبِ، مُنْتَطِقًا بنِطَاقِ الجِدِّ في تَحْصيلِهِ للعِلْمِ حَتَّى أَصْبَحَ أُعْجُوبَةً في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ، بَارِعًا في الحَدِيثِ والتَّفْسيرِ والبيانِ.

مِن شُيوخِهِ عَبدُ اللَّهِ الدنوشريُّ النَّحْوِيُّ والشَّمْسُ الرَّمْلِيُّ، وأَخَذَ عنه عَبْدُ القَادِرِ البَغْدَادِيُّ وأبو سَالِمٍ العَيَاشِيُّ وآخَرونَ.

ولَهُ مِن المُصنَّفاتِ حَوَاشِي علَى البَيْضَاوِيِّ وعلَى المُخْتَصَرِ، وكِتابُ تَهْنِئَةِ الإِسْلامِ ببِنَاءِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ، وُلِدَ فِي سَنَةِ 991 هـ, وتُوُفِّيَ في سَنَةِ 1079 هـ, وقِيلَ: 1100 هـ.

ونُنَبِّهُ أَخِيرًا علَى أَنَّه رُبَّما وَقَعَ في هَذَا النَّظْمِ شَيْءٌ مِن الضَّرُوراتِ التي قَلَّمَا يَسْلَمُ منها شِعْرٌ، نَقُولُ هَذَا اعْتِذَارًا ودَفْعًا، لِمَا قَدْ يَطْرَأُ علَى ذَوْقِ القَارِئِ الكَرِيمِ مِن هُجْنَةٍ في بَعْضِ اسْتِعْمالاتِ النَّاظِمِ رَحِمَهُ اللَّهُ، والحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت