الصفحة 79 من 1115

المبحث الثاني: سبب تأليف الكتاب.

ذكر المؤلف رحمه الله سبب شرحه للرسالة وهو أن جماعة من الطلبة النبهاء - كما يصفهم- طلبوا منه وضع شرح على الرسالة، فلم يلب طلبهم، ثم ترجح لديه أن يوفي لهم بهذا الغرض بعد أن شفي من مرض أصابه خشي معه الموت والهلاك.

قال رحمه الله:"وبعد فإنه لما كانت الرسالة للإمام المحق المحقق المعظم، والحبر الكامل المقدم أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله وغفر له ورضي عنه وأرضاه وبوأه من مقره الفردوس أعلاه، قد اشتغل بها كثير من الطلبة المتفقهين وعمّت بركتها كثيرا من المشتغلين وظهرت لوامح الخير على حفاظها، ومتلقفي ألفاظها فضلا عمن تفقه في مسائلها، ووضح له الفرق بين مقاصدها ووسائلها، وفهم إشاراتها اللطيفة، ودقيق معانيها الشريفة المنيفة، وتبين له ما اشتملت عليه من التلخيص والاختصار والتعبير بالألفاظ الوجيزة عن المعاني الغزار، وعُلم أنها وإن صغرت حجما كُنَيْفٌ [1] مليء علما، سألني جماعة من الطلبة النبهاء أن أضع عليها تعليقا يشتمل على حل لفظها، وتبيين المهم من أغراضها، ويبرز المكنون من أسرارها، ويوضح المشكل من أغوارها، فتوقفت عما سألوه، ولم أجبهم إلى ما طلبوه؛ لعلمي أن غيري قد قام بهذه الوظيفة، وقطع بعد شق النفس مفاوزها المخوفة، فعارضني معارض بأن شارحيها أفرط أحدهما، والآخر فرّط، والمقصد أن يكون لها شرح أوسط معظمه نص المنقول واستنباطُها لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( خير الأمور أوساطُها ) ) [2] فبقيت لذلك بين الترك والفعل أتحرى أقدم رجلا وأؤخر أخرى إلى أن اعتراني مرض خشيت معه الفوت، وأشرفت منه أو كدت على الموت، فوقع في خاطري في أثناء المرض إن عوفيت أن أوفي لهم بهذا الغرض، ثم بعد ذلك استخرت الله تعالى، وسألته الإعانة، وأن يرزقني التوفيق والتسديد إلى ما قصدته من الإبانة، فقوي غرضي على ذلك واستمر وثبت عندي أنه إلهام من الله تعالى واستقر، فشرعت في ذلك راجيا ثواب الله الجزيل معتصما به متوكلا عليه وهو حسبي ونعم الوكيل" [3] .

(1) كُنَيْفٌ: تصغير كِنْفٌ وهو الوعاء كما في لسان العرب 9/ 310 ولعل المصنف رحمه الله اقتبسه من قول عمر لابن مسعود رضي الله عنهما: (( أنت كُنَيف مملوء علما ) )رواه ابن سعد في الطبقات 2/ 156 وإسناده صحيح.

(2) قال العجلوني رحمه الله:"قال ابن الغرس ضعيف. انتهى، وقال في المقاصد: رواه ابن السمعاني في ذيل تاريخ بغداد لكن بسند فيه مجهول عن علي مرفوعا، وللديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعا: خير الأعمال أوسطها"كشف الخفاء 1/ 391

(3) التحرير والتحبير ل 16/ ب من نسخة أ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت