… {حال سهيل بن أبي صالح وروايته عن أبيه عن أبي هريرة}
…أولًا: قال الشَيخ أن سهيل بن أبي صالح تفرد بهذا الحَديث عَن أبيه!
…كان ماذا إن تفرد بهِ عَن أبيهِ فإن التَفرد لا يَكونُ علةً إلا إن كان مِن صدوقٍ أو في الطبقات المتأخرة مِن الرواة، أو تفرد عن معروف مِن الرواة واسع الرواية كثير الأصحاب مالم يتابعه عليه أحدهم، أو أن يكون صدوقًا تفردَ بهِ دُون أن يتابع، وقد يستنكرون بعض تفردات الثقات وليس لهم في ضابطٌ يضبطه.
…وأول من خص التفرد بالكلام عليه وبيانه هو الإمام مسلم في مقدمة الصحيح فقال = رحمه الله: (( والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قبلت زيادته.
…فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس )) [1] .
…وأما ما ذكرهُ الإمام مسلم في قبول ما يتفرد به الراوي الذي أمعن في موافقة الثقات مبنيٌ على أن الراوي قد لا يستوعب جميع ما يرويه شيخه، واذا استوعبه فقد لا يحدث به كله، قال الإمام أحمد بن حنبل: (( حدث عبد الرزاق عن معمر أحاديث لم يسمعها ابن المبارك، وحدث ابن المبارك بشيء لم يسمعه عبد الرزاق ) ) [2] .
…وهذا المثال وغيرهُ كثير قرينةٌ على أن الراوي قد لا يستوعب كُل ما يرويه الشَيخ، فقد يحدث الراوي عن شيخه بما لا يعرفهُ غيرهُ اللهم إلا أن يكون خالف الثقات في روايته أو أمعن في مخالفتهم عن الشيخ، فأبو صالح ذكوان السمان كثير الرواية عن أبي هريرة وهو من ثقات أصحابه وروى عنه ابنه ولم يخالف، وإن لم يتابع فهو يروي عن أبيه وهو أعلم بحديث أبيه، فإن أصحاب أبي هريرة وإن كانوا يتفقون فقد يكون عند أحدهم ما لا تجده عند غيره من الرواة ورواية الراوي عن أهله قويةً كما سبق.
…وإنما يستنكر بداهة أن يروي الراوي عن شيخ له أصحاب كثيرون كما مضى في بداية الفصل وهم من الثقات فينفرد عنهم بشيء لا يعرفونه ولا يُحدثون به وخصوصًا لو كان صدوقًا ليس ممن يحتمل تفرده عن هذا المشهور، وقد يستنكرون تفرد الثقة عن هذا الشيخ إن لم يتابع ولهم نقدٌ خاص قد سبق وأن ذكرنا ذلك.
…روى ابن مهدي لشعبة: متى يترك حديث الرجل؟ قال: (( إذا حدث عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون ) ) [3] ، وهنا يفهمُ تعليقُ النقاد على الأحاديث بقولهم أين أصحاب فلان عن هذا الحديث؟! أو لو كان من حديثه لرواه أصحابه.
…وإنما يستنكر رواية الراوي عن أهل بيته أن يكون لأبيه أصحابًا كثر يحدثون عنهُ فينفرد عنهم وهم ثقات حفاظ مالم يتابعوه عليه أو كان عندهم، ومثله أن صالح جزرة قال في عبد الرحمن بن أبي الزناد: (( روى عن أبيه أشياء لم يروها غيره، وتكلم فيه مالك بسبب روايته كتاب السبعة عن أبيه، وقال: أين كنا نحن من هذا ) ) [4] .
…ومما يجبُ النظر إليه عند التفرد بعد أن يكون الراوي حدث عن شيخ مشهور لهُ أصحاب كثر وتفرد عنهم، ينظر لهذا المتفرد فإن كان استنكر النُقاد لهُ احاديثًا وأخبارًا كثيرةً وغلب عليه رواية المنكر من الحديث عن المشهورين، وغيرهم رد تفردهُ.
…أما وإن كثرت المناكير في رواية الراوي تبقى منكرات، وقد يقوى الراوي إما بصفة عامة، أو في حالٍ مُعينة أو في شيخ مُعين أو تقويته في غير الذي يروي عنه المناكير والغرائب والأمثلة على ذلك كثيرة تجنبتُ إحضارها خشية الإطالة.
…وقد تعرض الحافظ الذهبي لضوابط النظر إلي التفرد في الحَديث بكلام نفيس جدًا فقال - رحمه الله: (( فهؤلاء الحُفَّاظُ الثقات: إذا انفردَ الرجلُ مِنهم مِن التابعين، فحديثهُ:(صحيحٌ) . وإن كان مِن الأتباعِ، قيل: (صحيحٌ، غريبٌ) . وإن كان مِن أصحاب الأتباع، قيل: (غريبٌ، فَرْدٌ) . ويَنْدُرُ تفرُّدهم، فتجدُ الإمامَ مِنهم عندهَ مِئتا ألف حديث، لا يكادُ ينفرد بحديثينِ ثلاثة! ومَن كان بعدَهم: فأين ما يَنفرِدُ به؟ ما عَلِمْتُهُ، وقد يوُجَد.
…ثم ننتقل إلي اليقظ الثقة المتوسط المعرفة والطلب، فهو الذي يُطلَقُ عليه أنه:"ثقة"، وهُمْ جُمهورُ رجالِ"الصحيحين". فتابِعِيُّهم إذا انفَرَد بالمَتْن، خُرِّجَ حديثُه ذلك في الصحاح.
…وقد يَتوقَّفُ كثيرٌ من النقَّاد في إطلاق"الغرابة"مع"الصحة"في حديثِ أتباعِ الثقات. وقد يُوجَدُ بعضُ ذلك في الصحاح دون بعض
…وقد يُسمِّي جماعةٌ من الحفاظ الحديثَ الذي ينفرد به مثلُ هُشَيْم وحفص بن غِياثٍ: (منكرًا) . فإن كان المنفردُ مِن طبقة مشيخة الأئمة، أطلقوا النكارةَ عَلَى ما انفردَ به مثلُ عثمان بن أبي شيبة، وأبي سَلَمة التَّبُوذَكِيّ، وقالوا: (هذا منكر ) ) ) [5] .
…والذي يظهر مِن كلام الحافظ الذهبي أنه سبر كلام النقاد في استنكار ما ينفرد به الثقة فعلم أنهم يراعون أمورًا مِنها، القوة والحفظ والضبط واشتهار الراوي بالإتقان.
…وهذا لاشك أنه ينجبر ما يتفرد به مِن الحَديث ومِنه قول الإمام مسلم عن الإمام الزهري - رضي الله عنهما: (( وللزهري نحوًا مِن تسعين حرفًا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يشاركه فيها أحد بأسانيد جياد ) )، وفيه أن تفرد الصدوق ومَن هو في طبقته ممن جرب عليه الوهم والغلط، وحدث بالمناكير لا اشكال في وصف تفرده بالحديث مُنكرًا وقد قال الحافظ الذهبي: (( بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدل على اعتنائه بعلم الاثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشئ فيعرف ذلك ) ) [6] .
…وقال: (( وإن تفرد الثقة المتقن يعد صحيحا غريبا، وإن تفرد الصدوق ومن دونه يعد منكرًا ) ) [7] ، فعد تفرد الحافظ الثقة الذي لا يشاركهُ أحدٌ في روايته أكمل لحفظه وأرفع لمرتبته ومكانته ودليلٌ على حفظه واتقانه تفرده بهذا الحديث مالم يشاركه فيه الثقات، اللهم إلا أن يكون ممن تبين غلطه ووهمه وجرب عليه الوهم والخطأ وهذا وضحهُ بقوله الثاني أن تفرد الثقة يعد صحيحًا غريبًا وتفرد الصدوق عدهُ منكرًا.
…ويجبُ التنبيه إلي كون الراوي فيه تفصيل في بعض حالاته، أو بعض شيوخه، أو بعض المناطق التي سافر إليها وارتحل لطلب الحديث ولم تكن كتبه معه، أو دخل البلد مرة فحدث وأتقن، ثم دخلها مرة ثانية فغلط ووهم.
…ومِن أهم الضوابط أن التفرد في الطبقات المتقدمة صحيح ويحتمل تفرد التابعي عن الصحابي وكذلك مع الحفظ والضبط يحتمل تفرد التابع للتابعي عنه وأما بعد ذلك فالأمر فيه تفصيل يعرفهُ كُل من كان له علمٌ بهذه الصنعة ودقائقها.
…وأما منهج الشيخين في التعامل معها فإنهم لا يخرجون لراوٍ تفرد بحديثٍ مثل سهيل عن أبيه عن أبي هريرة إلا وقفوا له على مرجحات وقرائن أزالت الغرابة والنكارة في هذا الحديث، وخصوصًا أن مثل هذا الحديث الذي ضعفهُ الحايك لم يُضعفهُ وينتقدهُ على الإمام مسلم أحدٌ مِن العالمين والمتقدمين فهل كل من سبق مِن النقاد وحذاق الفن وجهابذة النقاد غاب عنهم تفرد سهيل بن أبي صالح عن أبيه بحديث الأعماق ودابق ولم يتفطن لها إلا متأخرٌ نازلُ الطبقةَ لم يبلغ ما بلغوه!.
…ثُم إن عدم انكار النقاد لهذا الحَديث ولا انتقادهم للإمام مسلم اخراجهُ مشعر بصحة هذا الحَديث عن أبي هريرة وإبعادًا لمظنة العلة التي يرد بها!
…ثُم ألم يعتنى بصحيح مسلم نقدًا وتمحيصًا وعنايةً تغنينا عن أن يأتينا ممن تأخر في زماننا الغريب لينتقد على إمامًا مِن الأئمةَ وعلمًا مِن أعلام النقد حديثًا أخرجه في صحيحه ولم يتابعه عليه جهابذةُ العلمِ ونقاده ممن سبق!
…ثُم أليس الإمام أحمد قال: (( لا تتكلم في شيء ليس لك فيه سلف ) )، ما تجرأ أحدٌ على أحاديث الصحيحين تضعيفًا إلا رد خائبًا بحمد الله.
…ومَن تأمل هذه الضوابط وهذه الأمور التي يجب مراعاتها في التفرد علمَ ان الشَيخ خالف النُقاد في تعليله الحَديث بتفرد سهيل بن أبي صالح عن أبيه، فسهيل يرويه عن أهل بيته وهذه من قرائن الترجيح والحفظ لهُ وقد يكونُ حدث بهِ ولم يعرفهُ احدٌ مِن الرواة لأنه لا يسع الراوي استيعاب كُل ما يحدث به عن شيخه.
…ثانيًا: حالُ سهيل بن أبي صالح وروايته عن أبيه.
…قال الإمام أحمد: (( سَأَلته عَن سُهَيْل بن أبي صَالح وَمُحَمّد بن عَمْرو بن عَلْقَمَة أَيهمَا أحب إِلَيْك فَقَالَ مَا أقربهما ثمَّ قَالَ سُهَيْل يَعْنِي أحب إِلَيّ ) ) [8] .
…قال الإمام أحمد: (( وَذكر سُهَيْل بن أبي صَالح فَقَالَ لَيْسَ بِهِ بَأْس ) ) [9]
…قال ابن أبي حاتم: (( سألت أبا زرعة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؟ قال: سهيل أشبه ) ) [10] ، وهذا بينٌ في أنهُ لم يعل السلسلة ولم يضعفها وقد سئل قبلًا عن أصح الأسانيد وأشبهها، وذكر ما صح عن أبي هريرة.
…قال ابن أبي حاتم: (( قلت لأبي زرعة: ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة أحب إليك أو العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، أو سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة؟ قال جميعا ما أقربهم ) ) [11] .
…وقال ابن أبي حاتم: (( سألت أبا زرعة عن سهيل بن أبي صالح قال: قلت هو أحب إليك أو العلاء بن عبد الرحمن؟ فقال: سهيل أشبه وأشهر وأبوه أشهر قليلا ) ) [12] .
…قال الإمام أبو عيسى الترمذي: (( وَهَكَذَا تكلم بعض أهل الحَدِيث فِي سُهَيْل بن أبي صَالح وَمُحَمّد بن إِسْحَاق وَحَمَّاد بن سَلمَة وَمُحَمّد بن عجلَان وَأَشْبَاه هَؤُلَاءِ من الْأَئِمَّة إِنَّمَا تكلمُوا فيهم من قبل حفظهم فِي بعض مَا رووا وَقد حدث عَنْهُم الْأَئِمَّة ) ) [13] .
…وهُم إن تكلموا فيهم من قبل حفظهم إلا أنه لا يخفى على الذين يعرفون هذا العلم ويفقهونه أن النُقاد إن تكلموا في حفظ الراوي لا يجري ذلك على كل مروياته فإنه قد يكونُ ضعيفًا مِن قبل حفظه صحيح الحَديث عن شَيخ معين أو قويًا في راوٍ مُعين أو شيوخ معينين، وسهيل بن أبي صالح إن كانوا تكلموا فيه من قبل حفظه إلا أن روايته عن أبيه لم يتكلم فيها أحدٌ مِن العالمين ولو نظرت لكُتب العلل وتأملتَ كلام النقاد فإنهم لا يعلون الأحاديث برواية سهيل عن أبيه وكثيرًا مِن الأحاديث التي تفرد بها سهيل عن أبيه أخرجها مسلم ولم يُعلها أحدٌ بالتفرد حتى أتى الشَيخ وأعلها!.
…قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة كُنَّا نعد سُهَيْل بن أبي صَالح ثبتا فِي الحَدِيث ..
…وهو إن كان تغير بأخرة فإن مثل هذا لا يخفى على الإمام مسلم، فلا يستدل بمثل هذا على أن الرواية عند التغير، فسهيل بن أبي صالح إن كان نسيَّ كما في قصته مع ربيعة وهو ثقة فإن القول ما قاله الثقة عن شيخه.
…قال ابن معين: (( الْعَلَاءُ وَسُهَيْلٌ حَدِيثُهُمْ قَرِيبٌ عَنِ السَّوَاءِ، وَلَيْسَ حَدِيثُهُمْ بِالْحُجَّةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ هَذَا، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو أَكْثَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ، يَعْنِي مِنْ سُهَيْلٍ وَالْعَلَاءِ وَعَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عَقِيلٍ ) ) [14] .
…وقد رد الإمام أحمد بن حنبل تفضيل يحيى بن سعيد القطان لمحمد بن عمرو على سهيل بن أبي صالح فقال: (( سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ كَيْفَ حَدِيثُهُ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ، قِيلَ إِنَّ يَحْيَى الْقَطَّانَ يُقَدِّمُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو عَلَى سُهَيْلٍ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ بِسُهَيْلٍ عِلْمٌ، وَقَدْ كَانَ جَالَسَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو ) ) [15] .
…وقال أبو حاتم: (( يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، وهو أحبّ إليَّ من العلاء ومن عمرو بن أبي عمرو ) )، قال محمد بن موسى الهاشمي: (( سَمِعت رجلا يسْأَل أَبَا عبد الرَّحْمَن مَا عنْدك من سُهَيْل بن أبي صَالح فَقَالَ لَهُ أَبُو عبد الرَّحْمَن سُهَيْل بن أبي صَالح خير من فليح بن سُلَيْمَان وَسُهيْل بن أبي صَالح خير من أبي الْيَمَان وَسُهيْل بن صَالح خير من إِسْمَاعِيل بن أبي أويس وَسُهيْل خير من حبيب الْمعلم وَسُهيْل أحب إِلَيْنَا من عَمْرو بن أبي عَمْرو ) ) [16] ، وهؤلاء منهم من أخرج لهُ الإمام البخاري في الصحيح، محمد بن فليح وغيرهُ، فمقارنة الإمام بينه وبينهم فإنه خيرٌ مِنهم وأصحُ مِنهم وأخرج لهم الإمام البخاري وفي كلام الإمام الدارقطني ردٌ على عدم اخراج البخاري لحديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه ولا يضرهُ ذلك إن شاء الله ..
…وقال السلمي في سؤالاته: (( وسألتُه: لِمَ تَرك محمَّدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ حديثَ سُهيلِ بنِ أبي صالحٍ في الصحيحِ؟
…فقال: لا أَعرِفُ له فيه عُذرًا؛ فقد كان أبو عبدِالرحمنِ أحمدُ بنُ شعيبٍ النَّسائيُّ إذا مرَّ بحديثٍ لِسُهيلٍ قال: سُهيلٌ - واللهِ- خيرٌ من أبي اليَمانِ ويحيى بنِ بُكَيرٍ وغيرِهما، وكتابُ البخاريِّ من هؤلاءِ ملآن )) [17] ، فمن تأمل كلام الإمام وأدام النظر فيه علم أن الإمام البخاري لا عذر له في عدم اخراجه حديث سهيل بن أبي صالح في الصحيح فقد أخرج لمن هو أضعفُ مِنهُ مُنتقيًا مِن حديثهم، وسهيل خيرٌ مِنهم وخصوصًا روايته عن أبيه التي لم يتكلم فيها أحدٌ مِن العالمين ولم يضعفها مِن السلف والخلف أحد.
…وتأملتُ كثيرًا مِن كلام الأئمة على الأسانيد التي رواها سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ولم أجد أحدًا أعل الرواية بتفرد سهيل بن أبي صالح عن أبيه ولو صح ذلك فإنهُ لا يكاد يخرج عن أحاديث معدودة!
…قال ابن الصلاح: (( شَرط مُسلم فِي صَحِيحه أَن يكون الحَدِيث مُتَّصِل الْإِسْنَاد بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة من أَوله إِلَى منتهاه سالما من الشذوذ وَمن الْعلَّة وَهَذَا هُوَ حد الحَدِيث الصَّحِيح فِي نفس الْأَمر فَكل حَدِيث اجْتمعت فِيهِ هَذِه الْأَوْصَاف فَلَا خلاف بَين أهل الحَدِيث فِي صِحَّته وَمَا اخْتلفُوا فِي صِحَّته من الْأَحَادِيث فقد يكون سَبَب اخْتلَافهمْ انْتِفَاء وصف من هَذِه الْأَوْصَاف بَينهم خلاف فِي اشْتِرَاطه كَمَا إِذا كَانَ بعض رُوَاة الحَدِيث مَسْتُورا أَو كَمَا إِذا كَانَ الحَدِيث مُرْسلا وَقد يكون سَبَب اخْتلَافهمْ فِي صِحَّته اخْتلَافهمْ فِي أَنه هَل اجْتمعت فِيهِ هَذِه الْأَوْصَاف أَو انْتَفَى بَعْضهَا وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَب فِي ذَلِك وَذَلِكَ كَمَا إِذا كَانَ الحَدِيث فِي رُوَاته من اخْتلف فِي ثقته وَكَونه من شَرط الصَّحِيح فَإِذا كَانَ الحَدِيث قد تداولته الثِّقَات غير أَن فِي رِجَاله أَبَا الزبير الْمَكِّيّ مثلا أَو سُهَيْل بن أبي صَالح أَو الْعَلَاء بن عبد الرَّحْمَن أَو حَمَّاد بن سَلمَة ) ) [18] .
…وهذا كلامٌ نفيس يُبين طريقة الإمام مسلم في الصحيح وفي التعامل مع الرواة الذين تكلم فيهم، وسهيل بن أبي صالح إن كان تكلم فيه إلا أن اعتماد مسلم عليها في الصحيح وعدم تعليل الأئمة لها وإن كان متكلمًا في سهيل مِن قبل حفظه إلا أن السلسلة هذه مشهورةً جدًا ولم يستنكرها ابن عمار الشهيد ولا أبو مسعود الدمشقي ولا الدارقطني على الإمام مسلم وكم من حديث تفرد به سهيل عن أبيه لم يعله الأئمة بمثل تلك العلة التي أعل بها الشيخ الفاضل الحَديث والله المستعان.
…قال ابن أبي خيثمة: (( معت يحيى بن معين يقول: لم يزل أصحاب الحديث يتقون حديث سهيل قال: وسئل ابن معين مرة أخرى عن سهيل، فقال: ليس بذاك وسئل مرة أخرى فقال: سهيل ضعيف ) ) [19] .
…وقال الإمام أحمد: ((: لم يصنع يحيى شيئا، الناس عندهم سهيل ليس مثل محمد بن عمرو ) )وكلام الإمام يحيى بن سعيد في تقديم محمد بن عمرو مشهور سبق نقله.
…قيل للإمام أحمد: (( سهيل عندهم أثبت؟ قال: نعم ) ) [20] .
…وقال أيضًا: (( سهيل ما أصلح حديثه ) ).
…وقال ابن معين في رواية عباس: (( ثقة ) ).
…ووثقه العجلي، وقال الإمام النسائي: (( ليس به بأس ) ) [21] .
…وقال ابن عدي: (( هو عندي ثبت، لا بأس به، مقبول الأخبار ) ).
…وقال أبو حاتم: (( هو أحب إلي من العلاء، وأحب إلي من عمرو بن أبي عمرو، يكتب حديثه، ولا يحتج به ) )، روى عنه مالك وشعبة وهم لا يحدثون إلا عن ثقة.
…وقال الشيخ الجديع كلامًا نفيسًا في هذه النسخة: (( هذه النسخ من حيث الجملة ثابتة من صاحب النسخة إلى منتهى الإسناد، والنظر في عللها من جهة أصحاب سهيل وبهز وعمرو، في مواضع اتفاقهم واختلافهم وانفرادهم ) ) [22] .
…ولم يخرج الإمام البخاري حديثهُ عن أبيه إلا لأنهم تكلموا في سماعه منه لا لأنهُ يرى ضعف هذه النسخة أو أن روايتهُ عَنه ليست صحيحة!.
…وفي ذكر مراتب الصحيح قال صاحب تيسير مصطلح الحديث: (( ودون ذلك رتبة: ما كان من رواية من تحققت فيهم أدنى ما يصدق عليهم وصف الثقة، كرواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ) ) [23] .
…قال الحافظ الذهبي: (( كَانَ مِنْ كِبَارِ الحُفَّاظِ, لَكِنَّهُ مَرِضَ مَرضَةً غَيَّرَتْ مِنْ حِفْظِه ) ) [24] ، ونقل عن ابن عدي قوله: (( وَلِسُهَيْلٍ نَسْخٌ, رَوَى عَنْهُ الأَئِمَّةُ, وَهُوَ عِنْدِي ثَبْتٌ, لاَ بَأْسَ بِهِ ) ) [25] ، وذكر الشَيخ نقلًا عن الذهبي استغرابهُ لحديث تفرد بهِ سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة في صحيح مُسلم، وهو حديثٌ صحيح.
…ثُم نقل الحافظ الذهبي تغيره فقال: (( وَقَدْ كَانَ أَصَابَ سُهَيْلًا عِلَّةٌ أَضَرَّتْ بِبَعْضِ حِفْظِه, وَنَسِيَ بَعْضَ حَدِيْثِه فَكَانَ سُهَيْلٌ بَعْدُ يُحَدِّثُ بِهِ، عَنْ رَبِيْعَةَ عَنْهُ، عَنْ أَبِيْهِ ) ).
…ومن تأمل كلام النُقاد وجدتَ انه صدوقٌ تغير حفظهُ بأخرةَ وكان مكثرًا مِن روايته عن أبيه واحتج به الإمام مسلم في الصحيح، قال الحاكم: (( وهو المشهور المخرج حديثه في الصحيح، وأكثر رواياته عن أبيه، وربما أدخل بينه وبين أبيه الأعمش، والقعقاع بن حكيم، وسميًّا مولى أبي بكر ابن عبد الرحمن ) ) [26] .
…وقال الحاكم أبي عبد الله: (( سهيل أحد أركان الحديث وقد أكثر عنه الإمام مسلم في الصحيح ) )والذي يظهر أنهُ ثقةٌ يُحتجُ بهِ من كلامهم إلا ما علم أنه حدث به بعد موت أخيه فإنهُ يتوقفُ فيه، وهو إنما اعتل في العراق كما هو مشهور وقيل أنه حدث في تغيره بالعراق ولا يمكن الجزم بأن معلى حدث عنه بعد تغيره فإنهُ وإن كان كذلك فقد تابعه عليه عبد الحميد بن أبي أويس، واحتجاج مسلم به قرينة على أنه سمعه منه قبل تغيره وهو نزيل بغداد.
…ويحمل كلام ابن معين وتضعيفهُ لهُ بعد تغيره وإلا فهو مشهور عندهم بأنهُ مِن أهل الصدق والصلاح، وكان كثير الرواية ولهُ قرابة الأربع مائة حديث.
…فخُلاصة دراسة حالهِ فإنه تكلم فيه لحفظهِ وتغيره بأخرة، ويُحمل تضعيف الإمام ابن معين له على أنه تغيرَ في العراق، وأما روايته عن أبيه فلا أعلم أحدًا انكرها ومثلهُ مختصٌ بحديث أبيه فلا غرابة في مكثر عن راو أن تجد في روايته غرائبًا يتفرد بها دون غيرهِ مِن الرواة وهذا معروفٌ لدى كُل مُطلع على هذا العلم.
… (وهذا يدل على تمييز الرجل كونه ميز ما سمع من أَبِيهِ وما سمع من غير أَبِيهِ عنه، وهو عندي ثبت لا بأس به مقبول الاخبار) [27] .
…وقال ابن سعد: (( كان ثقة كثير الحديث ) ).
…قال ابن شاهين: (( من المتقين، إنما توقي في غلط حديثه ممن يأخذ عنه ) ).
…قُلت: وهذا كلامٌ نفيسٌ جدًا.
…قال أحمد بن صالح المصري: (( سُهَيْل بن أبي صَالح من الْمُتَّقِينَ وَإِنَّمَا توقي فِي غلط حَدِيثه مِمَّن يَأْخُذ عَنهُ ) ) [28] ، وما أحسن ما قاله ابن عدي فيه:
… (( وحدث سهيل عن جماعة، عن أبيه وهذا يدل على ثقة الرجل حدث سهيل عن سمي، عَن أبي صالح وحدث سهيل، عَنِ الأَعْمَش، عَن أبي صالح وحدث سهيل عن عَبد اللَّه بْن مقسم، عَن أبي صالح وهذا يدلك على تمييز الرجل وتمييز بين ما سمع من أبيه ليس بينه وبين أبيه أحد وبين ما سمع من سمي والأعمش وغيرهما من الأئمة وسهيل عندي مقبول الأخبار ثبت لا به ) ) [29] .
…والذي يظهر أنهُ ثقةٌ يحتج بحديثه مالم يُخالف ويُعلم أنه حدث به بعد تغيره، وهو لم يختلط حتى يُعامل معاملة المختلطين بل تغير والتغير لا يلزم ضعف كُل ما حدث به!.
… {التعليق على بعض كلام الشَيخ المحدث خالد الحايك}
…قال الشَيخ: [وسهيل قد أصابته آفة كما تقدم فلا يُحتج بما تفرد به لأننا لا ندري هل روايته لهذه الأحاديث صحيحة أم لا، سيما ولا يرويها أحد من أصحاب أبي هريرة المشهورين! ومن أجل هذا لم يخرّج البخاري حديثه في صحيحه وروى له في الشواهد وما تُوبع عليه. وهذا هو المنهج النقدي الصحيح] .
…قُلت: كفى باحتجاج بالإمام مسلم بها في صحيحه وقد علمنا فيما سبق أن الإمامين لهم منهجية الإنتقاء والتمييز للأحاديث المروية عن الضعفاء أو المُتغيرين أو المختلطين مع تبيان بين المختلط والمتغير في الرواية.
…وأما الآفة التي أصابت سهيل بن أبي صالح فإنها لا تَكون علة لكُل ما رواه عن أبيه وتفرد بهِ فإنهُ لا غرابة في أن يكون في حديث مُكثر بعض الغرائب وقد أورد الشَيخ بعضًا مِن غرائب سهيل في صحيح مسلم وغيرهُ وتلكَ إن نظرتَ تبين لكَ ان المناكير في رواية الراوي والغرائب المَعلولة = تبقى مناكير مع تقوية الراوي في روايته عن شيخه الفلاني أو في الحال الفلاني أو مِن الكتاب .... !
…وأما روايته عن أبيه أبو صالح ذكوان السمان فهو من ثقات أصحاب أبي هريرة ومن أحفظهم لحديثه وكان كثير الحديث عنه كما تقدم ورواية ابنه عنه من قبيل رواية الراوي عن أهل بيت الرجل وهي قرينة على تقوية حديثه.
…وأما علة عدم اخراج البخاري لحديثه فكلام الشيخ عجيبٌ إذ أنا علمنا فيما سبق أن الإمام البخاري أعرض عن حديثه لأنهُ تكلم في سماعه من أبيه وقيل أنهُ كتاب وليس لأنهُ تغير بأخرة! كما تفضل الشَيخ أو لأنه لم يميز صحيح حديثه من سقيمه والتغير ليس كالاختلاط يا شَيخ - غفر الله لك - في التعامل مع الرواية!.
…وكلام الحافظ ابن عدي قرينةٌ على تثبت سهيل بن أبي صالح وإتقانه لحديثه عن أبيه، ففيه أنه كان يميز بين ما يسمعه من أبيه، وما يسمعهُ بواسطة الأعمش وسمي.
…واعترض الشَيخ بأنهُ لا يتميز هل سمع هذه الأحاديث التي تفرد بها عن أبيه بعد تغيره أو قبله وهذا وهذا الاعتراض ليس في محله فروايةُ الإمام مسلم عنهُ وعدم استنكار النقاد للحديث الذي رواهُ في الأعماق ودابق بل لم يتكلموا فيه كما الغرائب التي أوردت وأنهُ يرويه وينفرد به عن أبيه قرينة على أنهُ حدث به قبل التغير.
…وان كانت العلةُ عند الشَيخ بتفرده عن أبيه عن أبي هريرة وليس عند أصحاب أبي هريرة فإن أبو هريرة - رضي الله عنه - واسع الرواية كثير الأصحاب والحديث فإنهُ لا يمتنع أن يحدث أبو صالح ذكوان السمان عنهُ ما لا تجدهُ عند غيره من أصحابه وهذا سبق وأن بيناه في كلامنا في ضوابط النظر في تفرد الثقات. والله أعلى وأعلم.
…ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
… [1] مقدمة صحيح مسلم (1/ 7)
… [2] العلل ومعرفة الرجال مسائل اسحاق بن هانئ (2/ 194) .
… [3] الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (1/ 163) .
… [4] تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (10/ 230) .
… [5] الموقظة في علم مصطلح الحديث للحافظ الذهبي (ص 77) .
… [6] ميزان الاعتدال للحافظ الذهبي (3/ 140)
… [7] المصدر السابق.
… [8] العلل ومعرفة الرجال مسائل الإمام عبد الله بن الإمام أحمد (2/ 500) .
… [9] العلل ومعرفة الرجال رواية المروذي (ص 62) .
… [10] الضعفاء لأبي زرعة وأجوبته (ص 181) .
… [11] المصدر السابق.
… [12] الضعفاء لأبي زرعة الرازي (3/ 879) .
… [13] العلل الكبير للإمام الترمذي (ص 744) .
… [14] الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 155) .
… [15] الضعفاء الكبير للعقيلي (2/ 155) .
… [16] سؤالات الحاكم للإمام الدارقطني (ص 172)
… [17] سؤالات السلمي للإمام الدارقطني (ص 183) .
… [18] صيانة صحيح مسلم لأبي عمر الشهرزوري (ص 73) .
… [19] شرح علل الترمذي للحافظ ابن رجب (1/ 408) .
… [20] المصدر السابق.
… [21] المصدر السابق.
… [22] تحرير علوم الحديث للشيخ عبد الله الجديع (2/ 772) .
… [23] تيسير مصطلح الحديث (ص 54) .
… [24] سير أعلام النبلاء (6/ 170) .
… [25] المصدر السابق.
… [26] معرفة علوم الحديث (ص 233) .
… [27] تهذيب الكمال للحافظ المزي (12/ 223) .
… [28] تاريخ أسماء الثقات (1/ 108) .
… [29] الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (4/ 522) .