فهرس الكتاب

الصفحة 2293 من 8321

قال أبو علي الجبائي: قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة ، وتارة يقع على الذنب والمعصية ، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله: { قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله } [ النساء: 78 ] وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: { وَمَا أصابك مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما ، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى الله وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين ، قال: وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤا: { فَمَنْ نَفْسك } فغيروا القرآن وسلكوا مثل طريقة الرافضة من ادعاء التغيير في القرآن .

فان قيل: فلماذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم؟

قلنا: لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فانما وصل اليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الاضافة إليه ، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى الله تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها ، ولا بأنه أمر بها ، ولا بأنه رغب فيها ، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى الله تعالى . هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع .

ونحن نقول: هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق الله تعالى ، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية .

إنما قلنا: إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة ، وكل حسنة فمن الله .

إنما قلنا: إن الايمان حسنة ، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح ، ولا شك أن الايمان كذلك ، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مّمَّن دَعَا إِلَى الله } [ فصلت: 33 ] المراد به كلمة الشهادة ، وقيل في قوله: { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان } [ النحل: 90 ] قيل: هو لا إله إلا الله ، فثبت أن الايمان حسنة ، وإنما قلنا إن كل حسنة من الله لقوله تعالى: { مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله } وقوله: { مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ } يفيد العموم في جميع الحسنات ، ثم حكم على كلها بأنها من الله ، فيلزم من هاتين المقدمتين ، أعني أن الايمان حسنة ، وكل حسنة من الله ، القطع بأن الايمان من الله .

فان قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من الله هو أن الله أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة ، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر؟

قلنا: جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الايمان والكفر عندكم ، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الايمان ، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الايمان ، فكان الايمان منقطعا عن الله في كل الوجوه ، فكان هذا مناقضا لقوله: { مَّا أصابك مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله } فثبت بدلالة هذه الآية أن الايمان من الله ، والخصوم لا يقولون به ، فصاروا محجوجين في هذه المسألة ، ثم اذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت