انتهى. قلت: فخرج من هذا أنه يصح الاستدلال على كونه جل وعلا عالما بوجهين: الأحكام والاختيار، وأن الأوّل أوضح من الثاني، ووجه الاستدلال بالاختيار على ما قرره ابن التلمساني في شرح المعالم أنه قد تقرر فيما مضى بالبراهين القاطعة أن الله تعالى فاعل بالاختيار، والفاعل بالاختيار لابد وأن يكون قاصدا إلى ما يفعله، والقصد إلى الشيء مع الجهل به محال، ولا يتصوّر القصد من الله تعالى إلا مع العلم بالمقصود، وإن كان يتصوّر من الحادث مع العقد والظن والوهم فلا يتصور من الله تعالى بناء على ذلك لاحتمال وقوع ذلك على خلاف ما هو عليه، وهو نقص يتعالى الله عنه، فتعين أن يكون عالما. ولما كانت الماهيات المطلقات لا يمكن دخولها في الوجود إلا مع تخصيصها بزمان ومحل وكيفية ووضع ومقدار، وكل وجه وجدت عليه
امام الحرمين عليهم وصح ما ذكروه من أنه دليل تام (قوله انتهى) أي ما ذكر من الاعتراض وجوابه (قوله أوضح من الثاني) لأن الأوّل يدل عليه بالبداهة وهذا يقتضي أن الثاني فيه وضوح وهو كذلك لكن بعد الاستدلال (قوله ووجه) أي كيفية (قوله أن الله الخ) أشار لقياس من الشكل الأوّل، وقوله: بالاختيار: أي لا بالعلة والطبع، وقوله: والفاعل: أي وكل فاعل فأل للاستغراق لأن كبرى الشكل الأوّل يجب أن تكون كلية، وقوله: والقصد الخ إشارة لقياس آخر حذفت صغراه وهي نتيجة القياس الأوّل القائلة: الله تعالى قاصد لما يفعله ونتيجة القياس الثاني الله تعالى عالم بما يفعله وهو المطلوب، وقوله: والقصد الخ دليل لكبراه (قوله قاصدا) ضمنه معنى متوجها فعدّاه بالي (قوله مع العلم) أي مع كونه عالما (قوله مع العقد) أي الاعتقاد (قوله والظن الخ) أي والشك (قوله فلا يتصوّر الخ) مفرع على قوله ولا يتصوّر القصد من الله إلا مع العلم وضمير يتصوّر يعود على القصد (قوله بناء على ذلك) أي على فرض ذلك: أي قيام العقد الخ به تعالى (قوله لاحتمال وقوع ذلك) أي ما ذكر من العقد الخ لكن بمعنى المعتقد والمظنون والموهوم (قوله وهو) أي وقوع ذلك على خلاف ما هو عليه ... (قوله عالما) أي بما يقصده (قوله الماهيات المطلقات) أي كالإنسانية والحيوانية والوصف بالمطلقات كاشف (قوله لا يمكن دخولها في الوجود الخ) فالإنسانية مثلا التي هي ماهية كلية لا يمكن أن تتصف بالوجود إلا بعد تخصيصها بزمان معين دون غيره من الأزمنة ولا يكون ذلك إلا بعد العلم بهذا الزمن وبعد تخصيصها بمحل كزيد ولا يكون ذلك إلا بعد العلم بزيد وبعد تخصيصها بالكيفية المخصوصة كالبياض ولا يتأتى تخصيصها بالبياض إلا بعد العلم بذلك البياض وبعد تخصيصها بالوضع: أي الهيئة التي تعرض للجسم باعتبار نسبة بعض أجزائه إلى بعض من كون الرأس أعلى والرجلين أسفل مثلا ولا يتأتى تخصيصها بذلك إلا بعد العلم بذلك الوضع وبعد تخصيصها بمقدار كأربعة أذرع ولا يكون ذلك إلا بعد العلم بمقدار وهكذا فتخصيصها بما ذكر لازم للعلم بما ذكر، وقيل أن الماهيات لا وجود لها في الخارج أصلا وإنما هي من الأمور الاعتبارية وعلى هذا فمعنى كون زيد فردا من أفراد الإنسان أنه يتصف بالإنسانية كما يتصف بها غيره وعلى هذا فالإنسانية وصف لزيد لا قطعة منه وعلى كلام الشارح الماهية لها وجود في الخارج في ضمن الأفراد بمعنى أن زيدا مثلا يتركب من الإنسانية ومن التشخص الخارجي بحيث تكون الماهية