معرفة وجوده وصفاته على حسب ما هو مقرر، وإلى هذا المعنى أشرت بقولي والأفعال كلها خيرها وشرها الخ، وأيضا لو وجب عليه صلاح العبد لما كلفه لما فيه من تعريضه للمعصية. فان قيل إنما كلفه ليثيبه. قلنا هو قادر أن يعطيه ذلك من غير عمل ولا تكليف، ولو وجب عليه الأصلح لما خلق الكافر الفقير لأن الأصلح له أن لا يخلقه حتى لا يكون معذبا في الدنيا والآخرة وأيضا الأصلح للعباد أن يخلقهم في الجنة فلو وجب عليه لما خلقهم في الدنيا. وبالجملة لو وجب عليه الأصلح لما وجدت محنة دنيوية ولا أخروية وما أحسن مناظرة وقعت بين الشيخ الأشعري والجبائي هي مسئلة مراعاة الصلاح والأصلح، فقال الشيخ للجبائي ما تقول في ثلاثة أشخاص مات أحدهم قبل البلوغ والآخر مات بعد البلوغ كافرا والآخر مات بعده مؤمنا؟ فقال الجبائي أما الصغير ففي الجنة وأما الكافر الكبير ففي النار وأما الكبير المؤمن ففي الدرجات العلا، فقال له الشيخ ما بال الصغير قصر به عن الدرجة الكبير المؤمن؟ فقال له الجبائي: لأنه لم يعمل قدر عمله، فقال الشيخ من حجته على مذهبكم أن يقول يا رب كان الأصلح في حقي أن تكون أبقيتني حيا حتى أصل بالعمل الدرجة العليا، فقال الجبائي جوابه أن يقول الله تعالى له عملت أنك لو بقيت على سن التكليف لكفرت فتخلد في النار،
فثمرة الأفعال دلالتنا على وجوده الخ لا تحصيل كمال له تعالى فلا يتوقف وجوده ولا اتصافه بشيء من الكمالات على وجود الأفعال وإن كانت دالة عليه لأن الدليل لا يلزم انعكاسه، وعبارة الشارح تقتضي أن ثمرتها الدلالة على المعرفة وفيها تسمه فالأولى حذف لفظ المعرفة (قوله على حسب ما هو مقرّر) أي في مقام الاستدلال على ذلك. وحاصله أن وجود الشيء بعد عدمه يستلزم موجدا، والموجد لا بد ّ أن يكون حيا قادرا عالما إلى غير ذلك من الصفات التي يتوقف عليها الفعل (قوله وأيضا الخ) هذا الدليل ناف لقول الخصوم بوجوب مراعاة الصلاح والأصلح، وأتى به وإن كان الدليل السابق شاملا لهما بحسب عمومه اهتماما به، ولأجل شمول الدليل السابق لنفيهما وبطلان كون مراعاتهما واجبة عليه ارتكب لفظة أيضا (قوله لما فيه الخ) بيان للملازمة (قوله من تعريضه للمعصية) أي ولا صلاح فيها (قوله فإن قيل الخ) وارد على الدليل (قوله أن يعطيه الخ) أي وذلك أصلح له (قوله ولو وجب الخ) عطف على قوله لو وجب عليه صلاح فهو من تتمة الدليل أعني قوله وأيضا الخ (قوله لأن الأصلح الخ) فيه أن عدم الخلق بالنظر للعذاب صلاح لا أصلح (قوله وأيضا الخ) إن نظر للدنيا باعتبار ما فيها من الهموم والآلام كان خلقهم في الجنة صلاحا لا أصلح (قوله وبالجملة) أي وأقول قولا مجملا قاطعا النظر عن ما مر من الأدلة المعطلة لمراعاة الصلاح والأصلح (قوله لو وجب عليه الأصلح الخ) بيان للملازمة أن الأصلح لنا إنما هو عدم وقوع المحن والتالي باطل: أما في الدنيا فلمشاهدة المحن، وأما في الآخرة فلو ورد النصوص الدالة على وقوعها إن لم يكن من أهل النجاة (قوله والجبائي) أي أبي هاشم (قوله والآخر مات بعد البلوغ كافرا الخ) قيد البالغ بالموت كافرا أو مؤمنا، ولم يقيد من مات قبل البلوغ بشيء كأنه لكونه لا يحكم له بشيء وفي ذلك نزاع (قوله أما الصغير ففي الجنة) أي في الدرجة السفلى منها بدليل ما بعده، وهذا خلاف ما في المواقف من أن هذا لا يثاب ولا يعاقب وهو الأنسب بالتحسين العقلي (قوله وأما الكافر الكبير الخ) فيه أن المقابل للصغير إنما هو الكبير لا الكافر